أبي حيان التوحيدي
33
المقابسات
ما أحوج الفرعاء « 1 » إلى فاليه ، وما أفقر الصلعاء إلى حالية ؛ ولقد قبض رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) والأمر مقيد محبس ، ليس لأحد فيه ملمس لم يسيّر فيك قولا ، ولم يستنزل لك قرآنا ، ولم يجزم في شأنك حكما . لسنا في كسروية كسرى ، ولا [ في ] قيصرية قيصر ؟ [ تأمل لاخوان فارس وأبناء الأصفر ! قد جعلهم اللّه جزرا لسيوفنا ، ودريئة لرماحنا ، ومرمى لطعاننا ، وتبعا لسلطاننا ؛ بل ] نحن في نور نبوة ، وضياء رسالة ، وثمرة حكمة ، وأثرة رحمة ، وعنوان نعمة ، وظل عصمة ، بين أمة مهدية بالحق والصدق ، مأمونة على الرتق والفتق ، لها من اللّه قلب أبىّ ، وساعد قوى ، ويد ناصرة ، وعين باصرة ! أتظن ظنا [ يا علي ] أن أبا بكر وثب على هذا الأمر مفتاتا على الأمة خادعا لها متسلطا عليها ؟ أتراه امتلخ « 2 » أحلامها ، وأزاغ أبصارها ، وحل عقودها ، وأحال عقولها ، واستل من صدورها حميتها ، ونكث رشاءها « 3 » ، وصب ماءها ، وأضلها عن هداها ، وساقها إلى رداها ؟ [ أتراه ] جعل نهارها ليلا ، ووزنها كيلا ، ويقظتها رقادا ، وصلاحها فسادا ؟ إن كان هكذا إن سحره لمبين ، وإن كيده لمتين ! كلا واللّه . بأي خيل ورجل ، وبأي سنان ونصل ، وبأي منّة وقوة ، وبأي مال وعدة ، وبأي أيد وشدة ، وبأي عشيرة وأسرة ، وبأي قدرة ومكنة ، وبأي تدرع وبسطة ؟ لقد أصبح بما وسمته منيع الرقبة ، رفيع العتبة . لا واللّه ! سلا عنها فولهت له ، وتطامن لها فالتفت به ، ومال عنها فمالت إليه ، واستمر دونها فاشتملت عليه ؛ حبوة حباه اللّه بها ، وغاية بلغه اللّه إليها ، ونعمة سربله جمالها ، ويد أوجب اللّه عليه شكرها ، وأمة نظر اللّه به إليها ، وطالما حلقت فوقه أيام النبي ( صلى اللّه عليه وسلم ) وهو لا يلتفت إليها ،
--> ( 1 ) الفرعاء : الطويلة الشعر ( 2 ) امتلخ : انتزع ( 3 ) الرشاء : الحبل الذي يعلق به الدلو للاستقاء