أبي حيان التوحيدي

30

المقابسات

فلا تحل أجاجا . واللّه لقد سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، عن هذا [ الأمر ] لمن هو ؟ فقال [ لي يا أبا بكر ] « هو لمن يرغب عنه لا لمن يجاحش « 1 » عليه ، ولمن يتضاءل له لا لمن يشمخ إليه ، وهو لمن يقال له : هو لك لا لمن يقول : هو لي » ولقد شاورنى رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) في الصهر ، فذكر فتيانا من قريش ، فقلت له : أين أنت من على ؟ فقال : إني لأكره لفاطمة ميعة شبابه ، وحداثة سنه . فقلت : متى كنفته يدك ، ورعته عينك ، حفت بهما البركة ، وأسبغت عليهما النعمة ؛ مع كلام كثير خطبت به رغبته فيك ، وما كنت عرفت منك في ذلك حوجاء ولا لوجاء « 2 » ، ولكني قلت ما قلت وأنا أرى مكان غيرك ، وأجد ريح سواك ؛ وكنت لك إذ ذاك خيرا منك الآن لي . ولئن كان عرّض بك رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) في هذا الأمر ، فقد كنّى عن غيرك ، وإن ( كان ) قال فيك فما سكت عن سواك ؛ وإن اختلج في نفسك شئ ، فالحكم مرضىّ ، والصواب مسموع ، والحق مطاع . ولقد نقل رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) إلى ما عند اللّه ، وهو عن هذه العصابة راض ، وعليها حدب ، يسرّه ما يسرها ، [ ويسوءه ما ساءها ] ويكيده ما كادها ، ويرضيه ما أرضاها ، ويسخطه ما أسخطها . ألم تعلم أنه لم يدع أحدا من أصحابه وخلطائه ، وأقاربه وسجرائه « 3 » ، إلا أبانه بفضيلة ، وخصه بمزية ، وأفرده بحالة لو أصفقت « 4 » الأمة عليه لأجلها لكان عنده إيالتها وكفالتها ! أتظن أنه ( صلى اللّه عليه وسلم ) ترك الأمة سدى بددا ، عباهل مباهل ، طلاحى « 5 » مفتونة بالباطل ، ملوية عن الحق ،

--> ( 1 ) جاحش على الامر : قاتل عليه ولج في طلبه ( 2 ) حوجاء ولا لوجاء : أي ما عرفت لك شيئا يعتد به ( 3 ) السجراء : الأصدقاء ( 4 ) أصفقت : أجمعت ( 5 ) عباهل مباهل : متروكة هملا . طلاحى : مرضى