أبي حيان التوحيدي

273

المقابسات

فلما خرجنا من بين يديه قال لي النوشجاني : أراد أن إشكاله على شواهد الحس تدل على وضوحه عند شواهد العقل ؛ لأنه تجتمع إيضاح العقل والحس في معاني الإله ، وذلك إن الحس يدرك ذا الاشكال فيكون الشكل مدركا له بوساطة ذي الشكل . والعقل قد يجرد الأشكال عن عواملها وموادها فيلحظها ، ولكن يلحظها متميزة ، فإذا علا اللحظ عن الاشكال كما علا عن ذوى الاشكال حينئذ يصير العقل والمعقول شيئا واحدا ، وينتفى كل شكل لاستيلاء الوحدة فيعتاض كل بيان لاستيلاء الخيرة . فعلى هذا معنى قوله إشكاله يدل على وضوحه في نفسه بحسب حقه الذي في ذاته وصفيت هذا المقدار بعد استفهام كثير ومراجعة شديدة ، لأن الإشارة غامضة والإيماء خفى ، على سعة المواد ، وتوضح المقصد ، وقرب المأخذ ، وانكشاف الغطاء ، واستتار المسلك . وإذا أراد اللّه تيسير عسير وتقريب بعيد فعل إنه ماجد وهاب وقال أيضا : النفس تدبر أولى الألباب ، والطبيعة أولى الغفلات ، والفكر في مرآة النفس يريها خيرها وشرها . وظن العاقل كهانة . وخدم الملوك خزان أرواحهم . وإشفاق الانسان يجب أن يكون على فناء الزمان ومن أحب أن يبقى في عالم الحس سليما من آفات الدهر فليغن عن عقله فقد مات ، ومن أحب أن لا تجرى عليه أحكام الفلك فليجد سقفا غير هذا السقف