أبي حيان التوحيدي
269
المقابسات
ناطق عادم لشرف الصورة ، وكل حيوان ناطق واجد لشرف الصورة ، إلا إن الناطق ناطقان : ناطق في الذروة ، وناطق في الوسط ، فالذي في الذروة الأجرام الناطقة الحية النيرة العلوية ، والذي في الوسط الإنسان الذي قد حوى بحده معنى النطق ، ويظهر منه هذا المعنى في الطرفين بالفطرة التي له ، فإنه يحس ويعقل ، والآخر بالرياضة المحمودة ، والإلف الحسن ، والاختيار الجيد ، والقبول الدائم . ولما علت الاجرام الناطقة عن هذه المهابط التي انتصف فيها الانسان استغنت عن الرياضة والتحديد والطلب والاجتهاد والاختيار ، ولما سفلت الأجسام الأخر التي هي في آخر الأطراف لم يطمع لها في ثمرة النظر وعاقبة الرياضة وما يفيد الاختيار ويتوقع بالقبول . وكما حصل الانسان دون الجواهر الناطقة ، كذلك حصل سائر الحيوان الذي هو دونه ، دون الانسان ، إلا إن خساسة ما تباعد عن الانسان من أصناف الحيوان أشد وأبين ، لأنها خساسة طينية لا طمع في رفعها ، ولا رجاء في دفعها . فأما ما حازه الانسان في مكانه الذي هو كالمنتصف من النواطق العالية النيرة الشريفة الدائمة الأبدية ، وبين ما سفل عنه من سائر الحيوان فهو على شرف الطبع في صلاحه واستجابته وانقياده ، حتى يجود اختياره ، ويذكو ذهنه ، ويطهر عقله ، ويصير ما هو في قوته كامن باديا ، وما هو معجون في طينته ظاهرا ، وحينئذ إذا بلغ هذا المبلغ علم أنه ناصح من ناحية الطبيعة ، وأنه متى نزع يده من يد الغاش ووضعها في يد الناصح ، ثبت نسبه إلى الشرف ، واستقرت قدمه على الصراط ، وأبصرت عينه كل ما غاب ، [ و ] وثقت نفسه بالكرامة ، وارتاحت إلى ما بين يديها من الغبطة ، ونسيت أن هذا الانسان في هذه المنزلة الصعبة والمنزلة المخوفة ، ما قد لا ينجع فيه الدواء ، ولا يسرى إليه الشفاء ، فيعطب للذي من أجله صرنا نتنادى بشاهد التنادى ، ونتحارس في هذا العالم هذا التحارس ، ونتواصى هذا التواصى ، لئلا يخطف فجأة إلى مهوى البلاء ومعدن الشقاء . قد واللّه لجئ إلينا بالنجاة ،