أبي حيان التوحيدي
259
المقابسات
فقال له البخاري : فعلى هذا أفدنا كلاما في التوحيد ؟ فقال : أما من اعترف بالوحدانية ثم شبه فقد ارتجع ما قال ، ونقض ما اعتقد . وأما من ذكر أكثر من واحد فقد ضل عن الحق كل الضلال . وأما من أشار إلى الذات فقط بعقله البرىّ السليم ، من غير تورية باسم ، و [ لا تحلية ] برسم ، مخلصا مقدسا ، فقد وفي حق التوحيد بقدر طاقته البشرية ، لأنه أثبت الانّية ، ونفى الأينية والكيفية ، وعلّاه عن كل فكر وروية ثم قال : لقد أحسن من قال : إن حاولت [ وصفه ] فات فوتا بعيدا ، وإن أزمعت جحوده بان فيك موجودا مشهودا وكان ذيل الكلام أطول من هذا شمرته خوفا من جناية اللسان في الحكاية ، ونزوة القلم في الكتابة ، وإيثارا للحياطة فيما يجب على الانسان إذا نشر حديثا ، وروى خبرا ، وأثار دفينا ، وأوضح مكنونا . خاصة إذا كان ذلك في شئ غامض ، ومعنى عويص ، ولفظ مشترك ، وغرض متوزع ، ينبو عنه كل قول فان ، ويتجافى عنه كل نازع وإن أغرق 64 مقابسة [ في أن الحق لم يصبه الناس في كل وجوهه ولا أخطاؤه في كل وجوهه ] سمعت أبا سليمان يقول : قال افلاطن : إن الحق لم يصبه الناس في كلّ وجوهه ، ولا أخطئوه في كل وجوهه ، بل أصاب منه كل إنسان جهة . قال : ومثال ذلك عميان انطلقوا إلى فيل وأخذ كل واحد منهم جارحة منه فجسّها بيده ومثلها في نفسه ، فأخبر الذي مس الرجل أن خلقة الفيل طويلة مدوّرة شبيهة بأصل الشجرة و [ جذع ] النخلة ، وأخبر الذي مس