أبي حيان التوحيدي
260
المقابسات
الظهر أن خلقته شبيهة بالهضبة [ العالية ] والرابية المرتفعة ، وأخبر الذي مس أذنه أنه منبسط دقيق يطويه وينشره . فكل واحد منهم قد أدّى بعض ما أدرك ، وكلّ ما يكذب صاحبه ويدّعى عليه الخطأ والغلط والجهل فيما يصفه من خلق الفيل . فانظر إلى الصدق كيف جمعهم ، وانظر إلى الكذب والخطأ كيف دخل عليهم حتى فرقهم ؟ وكان يقول ، أعنى أبا سليمان : هذا مثل يشتمل على نكت حسنة مفهومة لا خفاء بها عند من سمعها بتحصيل ، ويؤيدها ببيان . قال : ولهذا لا تجد عاقلا في مذهب يقول شيئا إلا وهناك ما قد اقتضاه ذلك بحسب نظره السابق إلى قلبه ، والملائم لطبعه ، والموافق لهواه ، ولكن البارع المتسع المحصل له المزيد في السبق والفلج بالتدبير 65 مقابسة [ في نوادر مفيدة في الفلسفة العالية ] هذه مقابسة نذكر فيها نوادر سمعناها في الفلسفة العالية من أبى سليمان مفيدة ، وإذا وهب اللّه نشاطا وتمكينا عدنا إلى نظائرهن فرويناهن فإنها كثيرة نافعة غريبة سمعته يقول : نزلت الحكمة على رؤوس الروم ، وألسن العرب ، وقلوب الفرس ، وأيدي الصين وقال أيضا : إنما يخرج الزبد من اللبن بالمخض ، وإنما تظهر النار من الحجر بالقدح ، وإنما تستبان النجابة من الانسان بالتعليم ، والمعدن لا يعطيك ما فيه إلا بالكدح ، والغاية لا تبلغها إلا بالقصد . ومن نشأ بالراحة الحسية فاتته الراحة العقلية ، والعاجلة تتصرّم والآجلة تدوم