أبي حيان التوحيدي

258

المقابسات

لاستيفائها إذا بان المراد في عرضها وأثنائها ، وإذا استقر هذا مفهوما وتوضح بيانا ، فالواجب كان جميع ما يحديه الشرع من هذا الضرب ليجد الخاصي فيه إشارة تشفيه ، والعامي عبارة تكفيه فقال بعض الحاضرين « 1 » : إنا قد وجدنا للأوائل في التوحيد كلاما كثيرا متقاربا ، ولم [ يكن ] صفا لهم أيضا ما كدر على غيرهم ، وهذا يدل على أن ما ينطق به الناموس ، قريب مما يسنح في النفوس فقال : إنا لا نظن أن كل من كان في زمان الفلاسفة بلغ غاية أفاضلهم وعرف حقيقة أقوال متقدميهم ، بل كان في القوم من رأى رأى العامة وحط إلى ما حطت اليه ، ولم يبن منهم كثير شئ مع قدم الزمان ولقاء المحقين الفاضلين . وهذا إذا حصل لا يكون قادحا فيما نصصناه من القول في حقائق التوحيد الذي ظفر به خلصان الحكمة وفرسان الصناعة . على أن الترجمة من لغة يونان إلى العبرانية ، ومن العبرانية إلى السريانية ، ومن السريانية إلى العربية ، قد أخلت بخواص المعاني في أبدان الحقائق ، إخلالا لا يخفى على أحد . ولو كانت معاني يونان تهجس في أنفس العرب مع بيانها الرائع . وتصرفها الواسع ، وافتنانها المعجز ، وسعتها المشهورة ، لكانت الحكمة تصل إلينا صافية بلا شوب ، وكاملة بلا نقص . ولو كنا نفقه عن الأوائل أغراضهم بلغتهم كان ذلك أيضا ناقعا للغليل ، وناهجا للسبيل ، ومبلغا إلى الحد المطلوب . ولكن لا بد في كل علم وعمل من بقايا لا يقدر الانسان عليها ، وخفايا لا يهتدى أحد من البشر إليها ؛ وذلك للعجز الموروث عن الهيولى ، والضعف الثابت في الطينة الأولى ؛ وهذا لكي يكون اللّه تعالى ملاذا للخلق ومعاذا للعالم ، وهذا الذي سرى بين الجميع في الانقياد والطاعة حتى حصل هذا مستجيبا لما هو صامد له بطباعه ، وهذا صائر إلى ما هو مدعو إليه ، فإنه وكنه . هذه العيوب معترف به في الجملة ، ومسلم إليه في التفصيل

--> ( 1 ) في الأصول : بعض العرب ، ولا وجه لذكر العرب في هذا المقام