أبي حيان التوحيدي

247

المقابسات

منه بأوفر السهام ، وعلى كل حال فالقصد مؤثر ، والاجتهاد مثمر ، والراية منصوبة ، والطريق جدد ، والشوق باعث ، والنزاع متصل ، والنداء عال ، والاستجابة ممكنة ، والتقرير أخذ الأهبة وتقديم العدة . فلعلك ترتقى بطهارة أخلاقك ، وتهذيب سيرتك ، وإصلاح حركاتك ، وتمييز نومك من يقظتك ، إلى معادن عزّك ، ومعدن فوزك ، حيث لا حاجة ولا مذلة ، ولا كثرة ولا قلة ، حيث يكتنفك الغبطة « 1 » والسرور ، ويعمرك الروح والحبور ، حيث لا تحتاج إلى ذكر ، لأنه لا يعتريك نسيان ، ولا تفزع إلى طبيب ، لأنه لا يصيبك داء ، ولا تتمنى شيئا ، لأنه لا يفوتك محبوب . ذاك محل لولاه ما اندفع الخطيب المصقع والعاقل المبين دهرا ودهرا لتنظيف بهجته وزينته ، وشرفه وكرامته ، ورفعته وسناه . ولم يلم بأدنى حقائقه ، ولا بأخف ما يتشتت الوهم به ، وإن أعانه بنو جنسه وفتحوا عليه أبوابا فوق أبوابه . وكيف لا تكون تلك الغاية نفيسة ، وتلك النهاية عزيزة ، وتلك العرصة مأنوسة ، وتلك العقوة مقدسة ، ولا شرع إلا وهو مشوق إليها ، ولا عقل إلا وهو يحث عليها ، ولا بال إلا وهو منوط بها ، ولا لسان إلا وهو آثر عنها ، ولا روح إلا وهو نازع نحوها ، ولا مفاوضة إلا وهي مستراحة من أجلها ، ولا مثال إلا وهو متعلق به طمعا فيها ، فكل ما دونها سراب [ وكل سعى ] « 2 » دون تحصيلها تباب ، وكلّ تجارة في غيرها خاسرة ، وكل أمنية دونها خائبة . واللّه لو أن أحدنا حاول وصلة بينه وبين أحد يشرف بجده عنده ، وعز يناله « 3 » به ، وراحة يتعجلها منه ، بكل عزم وجد ، وكل كدح وجهد ، مع يقينه بزواله واضمحلاله ، إذا نال وأدرك ، كان غير ملوم في سعيه ، ولا معذول عن غدوه ورواحه ، ولا يهجن الرأي في ملتمسه ؟ فكيف إذا قصر همه على طلب الزلفة في دار الخلود ، ونزع إلى مواصلة من به وجد كل موجود ؟ والسلام

--> ( 1 ) في الأصول : الفطنة ، وهو تحريف من النسخ ( 2 ) في الأصول : فكل شراب شعى من . . . بباب ( 3 ) في الأصول بجد عنه وعن نبالة