أبي حيان التوحيدي
236
المقابسات
ضعف دون ضعف ، وتزايد فوق تزايد ، وبها باينوا كل حيوان دونها مباينة تامة من وجه ، وضارعوا مع ذلك كل حيوان دونها مضارعة مختلفة من وجه . فأما وجه المباينة فظاهر بالشكل والتخطيط وانتصاب القامة وسائر الخواص الدالة على ذلك ، فله الجزء الذي هو للجنس بالنظر المنطقي . وأما المضارعة المختلفة فمعترف بها بشهادة التصفح وثمرة الاستقراء ، ألا ترى أن الانسان يوجد له زهو كزهو الفرس ، وتيه كتيه الطاوس ، وحكاية كحكاية القرد ، ولقن كلقن الببغاء ، ومكر كمكر الثعلب ، وسرقة كسرقة العقعق ، وعيافة كعيافة الغراب ، وجرأة كجرأة الأسد ، وجبن كجبن الصّفرد ، وإلف كألف الكلب . وأشياء من هذا النحو تكثر ، وهي تجاه العيون وإزاء العقول ؟ فقد بان ووضح القدر الذي حصل لهذه الطائفة وما هو وكم هو ، بهذا التعريف والتمثيل . ثم إن هذه القوة قد ترقى ترقيا بعد ترق حتى تلتبس بالنفس الناطقة التباسا ما ، إلا إنه يكون معهما ظل من الطبيعة على قلة وكثرة وزيادة ونقص ، فيكون الصواب أغلب ، والعرفان أقرب ، والوجدان أكثب ، والثقة أكثر ، والاستبانة به أخص . وهذه هي قدر ما حصل لجميع من فضل عن العامة في حاله وعلمه ثم إن هذه القوة تصفوا في تلك الخطط والمعاني التي هي العقل فيلحظ صاحبها الأمور بحقائقها ، مستوعبة بحدودها ، مخلصة من موادها ، على خاص ما لها من بسائطها . وهاهنا يقال : إن الولاية للخبر الإلهى والمعنى الربوبي . وعند ذلك تكون القوتان الأخريان ضعيفتين ، أعنى قوة الشهوة وقوة الغضب . وبالجملة تكون الطبيعة معزولة وحكمها كحكم بعض الرعية المسوسة بعزة السلطان الملك العدل . وهذه حال من وصل إليها وحصل عليها ، فقد أوفى على رياض القدس وحاز ذخائر النفس ، ونقى من ادناس الأنس وذكرت هاهنا كلمات تلتاط بما سلف ، كنت سمعت أبا سليمان تناقل بها