أبي حيان التوحيدي
237
المقابسات
في عروض حديثه عند طيب نفسه . قلت له : لم نسمع من المجنون الحكمة بعد الحكمة ؟ فقال : أتسمع من الذي ليس بمجنون الحماقة بعد الحماقة ؟ فالبادر من هذا كالبادر من ذاك . فقال له البخاري : فما هذه الأشباه ، وما الجزء فيها وما العلة الجالبة لها ؟ فقال : المجنون من جنس العقلي ، فبحق هذه المشابهة ما ينطبق بالفائدة ويسبق إلى الحكمة ويطلع على البديهة . وكذلك الغافل من جنس المجنون ، فبحق هذا الشبه أيضا ما يهذى في وقت ويزل في آخر ، وينطق بالخطإ وينصر الباطل ، وهذا منسوب للذي فيه من حصة الهيولى ، يبدر منه هذا النقص ، ولذلك القسط الذي فيه من صفة الصورة يبدر منه ذلك الفضل ، إلا إن هذين البادرين في هذين الشخصين لا يرفعان الحالين الظاهرين على الشخصين ، أعنى أن المجنون بقدر ما بدر منه لا يكون عاقلا ، والعاقل بقدر ما بدر منه لا يكون مجنونا ، ثم أيضا جميع العقلاء والمجانين مختصين على هذا المنهاج ثم قال : فهذا الذي يقول به أهل الكلام في طرائقهم ، ليس بعقل ، وإنما هو شبيه به أو شئ معه ظله أو حكمته وخياله ، ولهذا ما خالطهم الهوى واستحوذ عليهم التعصب ، وحسن عندهم التقليد ودب في نظرهم ، وخذلهم اللجاج والصياح ، وانفتح باب الحيرة عليهم ، وسد باب اليقين عنهم . قال : ولهذا قلّ تألههم وتنزههم ، وصاروا بتكافؤ الأدلة متجاهرين ومتساترين « 1 » على هذا وجدنا أعلامهم وكبراءهم ، ولولا إيثار التقى لذكرت لك أعيانهم وأسماءهم سمعت ابن عباد « 2 » بالري سنة خمسين يقول : طبع العقل على أن يشهد للباطل كما يشهد للحق ، ولهذا اختلف العقلاء في جميع أمر الدين والدنيا وهذا أبقاك اللّه كلام خبيث ، وقد تكلمت عليه في كتاب النوادر مع
--> ( 1 ) في الأصول التي بأيدينا : متجاهدين ومتسايرين . وما أثبتناه أولى بالسياق ( 2 ) في الأصول : العباد . وهو تحريف أثبتنا صحته