أبي حيان التوحيدي

235

المقابسات

فقال : كل هذه الأشياء بعد الحياة والعقل والعافية ، فروع . فان الانسان بعقله يصبر على الفقر ، وبعقله يجتلب الغنى ، وبعافيته يبلغ الغاية ويكتسب السعادة ، والعقل في جميع أحواله . فيتصرف بثمرة الراحة مرة ، وبالصبر مرة ، ويريه الحكمة فيما فشا وسرّ ، ويؤديه إلى السعادة في كل ما أقبل وأدبر ، لان العقل متى حلّ شخصا أضاءه وأناره ، ومتى فارق شخصا كدره وأباره . والكلام في العقل مضطرب جدا ، خاصة إذا ترنم بتمجيده من وفر اللّه حظّه منه ، وصبغ كله أو بعضه به ، وغمس ظاهره وباطنه فيه ، وبسط سداه ولحمته عليه . ولا بأس مع هذا الاعتراف بشرفه أن أكتب لك في هذا الموضع ما يغذو روحك ويحدث الأريحية في نفسك ، ويشحذ ما كل من ذهنك ، وينزح ما غار من فهمك ، ويفتح تغميض بصرك ، ويطرد سنة قلبك ، ويؤلف بينك وبين حقك اعلم أن العامة وكثيرا من الخاصة ، لا يعرفون العقل ولا يحقّون حده ، ولا يتصرفون في وصفه ، ويكتفون في معرفته بأن يقولوا : هو عرض أو جسم أو آلة بها يتميز هذا التمييز ، ومن أجلها يتكلف هذا التكليف ، أو يكيف هذا التكيف ، وربما قال الحاذق منهم : هو مأخوذ من العقال . وسمعت البصري المنبز بجعل يقول : العقل هو مجموع علوم هذه اللفظة . والعبارة عن العقل أكرمك اللّه مقسومة على قدر ما يريك منه ويلحظ به ويؤكد السبيل إليه ، فاما أن يقال إنه موجود ومكشوف ، فهو سعة الكلام واقتدار القائل وتقريب المعرّف . وسمعت في بعض ما يقال أيضا في وصفه انه مطبوع ومصنوع . هذا قريب من الذي تقدم . والذي يقربك من الحق في هذا ويدنيك إلى اليقين ويلبسك جلباب السكون ، أن تعلم أن العقل بأسره لا يوحد في شخص إنسىّ ، وإنما يوجد منه قسط بالأكثر والأقل ، والأشد والأضعف . والموجود في العامة وأشباه العامة إنما هو قوة متصاعدة عن الطبيعة قليلا بعد التباسها بها قد فاءت عليها بظل النفس الناطقة ، على