أبي حيان التوحيدي
222
المقابسات
47 مقابسة [ في أن العقل مع شرفه وعلو مكانه لا يخلو من انفعال ] قيل لأبى سليمان : بأي شئ تعرف أن في العقل مع شرفه وعلو مكانه انفعالا ؟ . فقال : باستحسانه واستقباحه . لأن هذين انفعالين ، ولكنهما انفعالان على طريق الاستحالة ؛ وكأنه يدور على نفسه أو يقتبس من الذي هو أعلى منه ، ويثب عما دونه ويشنع عليه ، فهذا يوهم بالانفعال على جهة التقريب ، لأن مرتبة هذا الانفعال فوق مرتبة كل فعل مما هو دون العقل . ومما يزيدك استبانة لهذا المعنى واستقامة اليه ، أن هذا الانفعال هو الانفعال الأول الذي ليس فوقه انفعال البتة فالحق [ ان ] الأولية نسبة إلى الفاعل الأول الذي لا فاعل فوقه البتة . وكلما هبط الانفعال في المنفعل بعد المنفعل حسن وبعد عن ذلك الشرف الذي كان بالنسبة الأولى كالفعل الذي كلما هبط أيضا في الفاعل بعد الفاعل يحسن ويبعد من شرف الفاعل الأول بالاطلاق الذي هو علة كل ما هو علة له . فأنت إذا اعتبرت فاعلا بعد فاعل حتى تنتهى من عندك إلى الدرجة القصوى ، مررت بأقسام الفاعلين ومراتبهم أيضا ، كذلك إذا اعتبرت أيضا منفعلا بعد منفعل حتى تنتهى من هناك إلى ناحيتك الدنيا ، مررت باقسام المنفعلين . وهذه أمور بينة أتم بيان وثابتة على أكمل بهجة وأفضل رتبة ، لا يتخللها خلل بوجه ولا سبب الا ما يخيل منها الحس الكذوب الذي لا يوثق بقضائه ، ولا يسكن إلى حكمه فاما التصفح العقلي فقد أتى على هذه كلها بما أهدى إلى النفس من السكون ونفى عن حقائقها الظنون ، والسلام