أبي حيان التوحيدي
220
المقابسات
مسكة ، ويعرف أدنى فضيلة - دع من يرجع إلى قوله وينتهى إلى صواب أمره ، ويتهادى فنون سيرته وحاله - النهي عن مثله والزجر عن ركوب ما هو دونه بكثير ؟ ! فكيف لم يتهم نفسه ، ولم يتعقب رأيه ، ولم يشاور نصيحا له ! أهذا كله بسبب حال لو أنها كانت تنكشف عنه بما يتمنى بعد انحسارها إلى كثير مما ينسى معه القاسى ؟ وقد علم أن أدنى ما في هذا الفعل المكروه بالعقل ، الفاحش بالسماع ، المقشعر منه بالطبع ، ما يجب عليه التوقي بسبب ما قد انتشر بالشرائع وأجمع عليه الأول والآخر من كل جيل وطرف ، في النهى عنه واستسقاط ما أقدم عليه ؟ لأنه أمر متى ركب بالظن والتوهم للذين لم يؤيدا ببصيرة من عقل ولا عرضا على عاقل ، ثم استبان له في الثاني عوار ما آثره وخطأ ما عمل به ، فاته التلافي ولم يمكنه الاستدراك ولا الرجوع ! فلو لم يكن في هذه الا ما يوجب عليه الشغل والاستبصار من أجل ما قاله العقل أو ورد به الإنباء بالعقل والوحي ، لوجب أن لا يلقى بيده إلى التهلكة ، ولا يختار ما يهجنه عليه أهل الروية والبديهة وأصحاب الديانة والمروءة ، ولا ينقض العادة القائمة ، ولا يخالف الآراء الحصيفة ، ولا يستبد برأي الطبيعة ؟ فكيف وقد قضى العقل قضاء جزما ، وأوجب النظر إيجابا حتما ، أنه لا يجب أن يفرق الانسان بين هذه الأجزاء الملتحمة والأعضاء الملتئمة ، وليس هو رابطها ولا هو على الحقيقة مالكها ، بل هو ساكن في هذا الهيكل لمن أسكنه فيه وجعل عليه أجرة السكنى بعمارة المسكن وحفظه وتنقيته وإصلاحه وتصريفه على ما يعينه على طلب السعادة في العاجل والآجل ؟ ! وكان سعيه مقصورا على التزود إلى مبوأ صدق ، ولا بد له من المصير اليه والمقام فيه ، على أمر شامل ، وخير غامر ، وراحة متصلة ، وغبطة دائمة ، وحبور مستصحب . حيث لا آفة ولا حاجة ، ولا أذى ولا حسرة ولا أسف ، ولا كمد ، ولا فوت ولا تعذر . وهذا مع السيرة المرضية