أبي حيان التوحيدي

213

المقابسات

قبل المفعول ، وممتنع أن يكون المفعول قبل الفاعل ، ويمكن أن فاعلان معافي مكان ، أو منفعلان معا في زمان ، وممكن أن [ لا ] يكون فاعلان معا ولا منفعلان ، بل يكون كل واحد منهما منفردا عن فاعل آخر ، وكل منفعل منفصلا عن منفعل آخر . فهذا كما ترى . مثال آخر : واجب أن يكون الفلك محيطا بالأرض ، وممتنع أن يكون المركز محيطا بالفلك ، وممكن أن يركب الأمير غدا . فلو كان الامكان حد غير معترف مما تقدم القول فيه ، لكان لا يقف على الوضع والفرض والرسم والوهم والظن والتخيل ، ألا ترى أنك لو نسبت هذا الامكان إلى الفلك لم يصح ! أعنى أنه يستحيل أن يقال ممكن عند الفلك وعند اللّه أن يركب زيد غدا ، وفي الأول جاز عندنا ذلك لأنا قلناه تقديرا وتظنينا ووضعا وتوهما ! ولا فرض عند الفلك ، ولا ظن ولا تقدير ولا توهم أيضا عند اللّه ، تقدس اسمه وتعالى جده وقال آخر من جلة القوم : ليس لشئ وجود ولا وجوب إلا الباري الحق ، ولا حقيقة إذا لشئ إلا له ، لأنه هو الواجب ، وكل ما عداه فإنما هو واجب به وممتنع به وممكن به ، والوجود الحق له . فكل وجود يرسم للممكن أو للممتنع فإنما هو بالاستعارة والتقريب والتحلية والتشبيه ، فإذا انسلخ كلما عدى العلة الأولى من الوجوب ومن الوجود ، إلا على قدر ما يبلغه الفيض ويصل إليه الجود ، ويخلص ما هو بالحقيقة وبالتحقيق هو فيه هذا مبلغ حاصلى من قول هؤلاء المشايخ ، وهم الذين نشرت لك حديثهم وذكرت أسماءهم ، وذكرت على مقاماتهم مرارا في هذا الكتاب ، وجل النظر في هذه المسألة على ما انفرشت من الفلسفة الداخلة ، أعنى الإلهية المحضة . فلهذا ما أتفادى من زيادة لعلها تحط قدر المغزى الذي سلف القول فيه ، وسقت المعنى عليه ، والسلام .