أبي حيان التوحيدي

212

المقابسات

ولم يفضل منه ما يقتضى شيئا آخر ، ولا بقي لضامنه ما يقتضيه شئ آخر . وهكذا المانع في قياد ذلك قد اقتضى الممنوع واستوفاه ولم يفضل منه ما يقتضى شيئا آخر ، ولا بقي منه أيضا ما يقتضيه شئ آخر . وخرج حكم الممكن من الحكم الذي للواجب ، والحكم الذي للممتنع ، لأن الممكن كأنه الطالب لمكانه والداعي لنفسه ، فيكون مكانا . وهذا كله لتقلقه في قضائه وقلة استقراره في بابه ، لأنه عادم لحده وطبيعته ، وإنما يغلب عليه تارة ما يغيره الواجب من نفسه وصورته ، فيصير الامكان القريب من الوجوب ، وتارة يغلب عليه ما يستعيره من الممتنع ، فيصير الامكان القريب في الوسط ، لا يظن به رفع إلى جانب ، ولا انحراف لمكان الواجب عن الحقيقة ، عن الكثرة والقلة والانقسام والعلة ، وعن استعارة صورة عن ذي صورة . فصار الممكن المنقسم إلى الكثرة والقلة والوسط . لان الكثرة والقلة قدران ، وإذا بطل ما يكون ذا قدر بطل القدر ومما جرى بين هؤلاء الأفاضل في هذا الفصل ما يدخل في حاشية هذا الكلام الذي قد أعجزنى عن أدائه على وجهه بالقسطاس المستقيم سوء التأتى فيما يحقق المراد ويحط ثقل الهم . وقول آخر : إن الواجب واجب أن يكون واجبا ، والممكن واجب أن يكون ممكنا ، والممتنع واجب أن يكون ممتنعا . فالوجوب صورة الجميع ، لأنه نعت للعلة الأولى . وأما الامكان والامتناع فإنه يشار إليهما بعد الاعتراف بالوجوب الذي قد نفذ سلطانه فيهما وملكت سمته جملتهما واحتوت صفته عليهما . والواجب لطبيعته لم ينقسم ، لان الوحدة تامة فيه محيطة به ، موجودة له ، خالصة عليه : ولو انقسم لانتقلت الوحدة إلى الكثرة وتشعبت عما هي عليه في الحقيقة ، وكذلك الممتنع ، لأنه يكون في الطرف الآخر يعطى صورة الانتفاء من نفسه توقيرا لحد الواجب ، ولا ضير أن يختصر لهذه الجملة مثال يكون كالوحى إلى الحق لئلا يطيح ما طال القول فيه وتتابع البحث عنه ، وواجب أن يكون الفاعل