أبي حيان التوحيدي

211

المقابسات

هذا لطيف إلى التقريب دون ما طال وامتد ، وكما استوفى الواجب الصورة بالكمال استيفاء وجود ، انتفى الممتنع من الصورة في كل حال انتفاء عدم ، فليس في الواجب من أجزاء العدم شئ ، ولا في الممتنع من أجزاء الموجود شئ ، وبالاضطرار لفظنا بآخر الممتنع . ثم إن الامكان بعد هذا كله استعار من الواجب شبها ، واقتطع منه ظلا ، واستعار أيضا من الممتنع شبها ، واسترق منه ظلا : وذلك هو عدم ما . فصار من أجل الاستعارة والاستراق ينقسم إلى مراتب ثلاث : إلى الأكثر ، والأقل ، والأوسط فقال بعض من حضر هذه المقابسة : العجب أنه أخذ الشّبه من اثنين وانقسم إلى ثلاثة ؟ ! فقال له قائل في الجواب : إنه [ قد ] أخذ الشبه من الواجب في الأغلب ؛ لقوة الواجب في صحة نفسه وثبات جوهره وصفاء عينه ، وفي الأقل أخذ من الممتنع ، وقوة الممتنع بإزاء قوة الواجب وضعا وتمثيلا ، وقد تقاسمت القوتان الطرفين على تغايرهما ، ألا ترى أن الكثرة من الموجود ، والقلة من العدم ؟ أعنى أن صورة الوجود في الكثرة أظهر منها في العدم ، والوجود باسره في الوجود ، والعدم في الامتناع ، ونفى ما هو بهما أعنى ما ائتلف من الشبه المأخوذ من الواجب ، والشبه [ المأخوذ ] من الممتنع ، لأنه إذا وفّى ما قد استعاره من الشبه من الطرفين ، وفّى أيضا ما له بالتوسط . واختلاف أبنية هذه الكلمات دليل بيّن وحجة واضحة على تفاوت ما بينهما من الحقائق . فإذا الإمكان قد خلا من طبيعة يستقل بها ، وعرّى من صورة ينسب إليها ، وعاد وحكمه حكم المركبات في الحس ، والمفروضات بالوهم قال : ومما يزيد ما يمضى من القول وضوحا أن الواجب لا يقف على إيجاب موجب في وجوبه ، والممتنع لا يقف على منع مانع في امتناعه . فان عرض في نفسك الواجب فاعلم أنه قد اقتضى شيئا ولكنه الموجب ، واستوفاه