أبي حيان التوحيدي

21

المقابسات

منه فقرا كالغرر ، وشذورا كالدرر ، تدور في المجالس كالشمامات « 1 » ، والدّستبويات « 2 » ، لورقى بها مجنون لأفاق ، أو نفث على ذي عاهة لبرأ ، لا تمل ، ولا تستغث ، ولا تعاب ، ولا تسترك . فرفع ذلك إليه وأنا لا أعلم . فقال : طعن في رسائلي وعابها ، ورغب عن نسخها وأزرى بها ! واللّه لينكرنّ منى ما عرف ، وليعرفن حظه إذا انصرف . حتى كأني طعنت في القرآن ، أو رميت الكعبة بخرق الحيض ، أو عقرت ناقة صالح ، أو سلحت في بئر زمزم ، أو قلت : كان النظام مأفونا « 3 » ، أو مات أبو هاشم في بيت خمار ، أو كان عباد معلم صبيان ؟ وما ذنبي يا قوم إذا لم أستطع أن أنسخ ثلثين مجلدة من هذا الذي يستحسن هذا الكلب حتى أعذره في لومى على الامتناع ؟ أينسخ إنسان هذا القدر ، وهو يرجو بعدها أن يمتعه اللّه ببصره ، أو ينفعه ببدنه ؟ ما ذنبي إذا قال لي : من أين لك هذا الكلام المفوّف المشوف الذي تكتب به إلىّ في الوقت بعد الوقت ؟ فأقول : وكيف لا يكون كما وصفت ، وأنا أقطف ثمار رسائله ، وأستقى من قليب علمه ، وأشيم بارقة أدبه ، وأرد ساحل بحره ، واستوكف قطر مزنه ؟ فيقول : كذبت وفجرت ، لا أم لك ! ومن أين في كلامي الكدية والشحذ والتضرع والاسترحام ؟ كلامي في السماء ، وكلامك في السّماد . هذا أيدك اللّه ، وإن كان دليلا على سوء جدى ، فإنه دليل أيضا على انخلاعه وخرقه ، وتسرعه ولؤمه . وانظر كيف يستحيل معي عن مذهبه الذي كان هو عرقه النابض ، وسوسه الثابت ، وديدنه

--> ( 1 ) في الأصل كالشامات : وأرى أن ذلك تحريف عن الشمامات التي أثبتناه هاهنا كما يؤيد ذلك الكلمة الآتية ( 2 ) الدستبويات ، جمع دستبوى ، وهو نوع من البطيخ أخضر مستطيل ذو رائحة ، وهذا الوصف ينطبق كل الانطباق على الشمام المصري ( 3 ) النظام هو أبو إسحاق إبراهيم بن سيار النظام أحد نوابغ المعتزلة . وفي الأصل بالباء فآثرت الفاء عليها