أبي حيان التوحيدي
208
المقابسات
ولا ما عن يمينه ، ولا ما عن يساره ، كذلك للغيب سبحا لم يطلع على سر هذا الشاهد ، ومكنون هذا الجلىّ ، وباطن هذا الظاهر ، ومعقول هذا الذي تم عليه الحس ، وخفىّ هذا الذي وقع عليه الحدس قال : والمرض والعافية في الأبدان بمنزلة الغنى والفقر في الأحوال ، والغنى والفقر في الأحوال بمنزلة العلم والجهل في القلوب ، والعلم والجهل في القلوب بمنزلة العمى والبصر في العيون ، والعمى والبصر في العيون بمنزلة الشك واليقين في الصدور ، والشك واليقين في الصدور بمنزلة الغش والنصح في المعاملات ، والغش والنصح في المعاملات بمنزلة الطاعة والمعصية في الأعمال ، والطاعة والمعصية في الأعمال بمنزلة الحق والباطل في المذاهب ، والحق والباطل في المذاهب بمنزلة الخير والشر في الأفعال ، والخير والشر في الأفعال بمنزلة الكراهة والمحبة في الطباع ، والكراهة والمحبة في الطباع بمنزلة الهجر والوصل في العشرة ، والهجر والوصل في العشرة بمنزلة الرداءة والجودة في الأشياء ، والرداءة والجودة في الأشياء بمنزلة الصلاح والفساد في الأمور ، والصلاح والفساد في الأمور بمنزلة الضعة والرفعة في المراتب ، والضعة والرفعة في المراتب بمنزلة القبح والحسن في الصورة ، والقبح والحسن في الصورة بمنزلة العى والفصاحة في الألسنة ، والعى والفصاحة في الألسنة بمنزلة الاعوجاج والاستقامة في الأعضاء ، والاعوجاج والاستقامة في الأعضاء بمنزلة الحياة والموت في الأجساد ، والحياة والموت في الأجساد بمنزلة الشقاء والسعادة في العواقب . فما أحوج هذا الانسان بعد قيام هذه الأمور إذاعته ومحله وصرفه إلى يقظة بها يكيس في معاشه ، ومنها يقتبس لمعاده ، ويقتنى ما يحمد ريعه وجدواه ، ويجتنب ما يصير سببا لشقائه في عقباه ؟ فباب الخير مفتوح ، وداعى الرشاد ملحّ ، وخاطر الحزم معترض ، ووصايا الأولين والآخرين قائمة ، ومزاحمتهم موجودة ، والخوف عارض ،