أبي حيان التوحيدي
209
المقابسات
والأمن مظنون ، والسلامة متمناة . فما ذا ينتظر المرء اللبيب بنفسه بعد هذه الآيات المتلوّة ، والأعلام المنصوبة ، والحالات المنقلبة ، والنعم المتقلبة ، والأعمار القصيرة ، والآمال الكاذبة ؟ أما يتعظ ! أما يعلم أنه من جنسه ومحمول على تدبيره ، وأنه لا فكاك له مما لا بد من حلوله به ، من انحلال تركيبه ، واستحالة عنصره ، وانتقاله إلى حال بسيطة إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ؟ بلى يعلم ، ولكن علما مدخولا ، ويعقل ، ولكن عقلا كليلا ، ويحس ولكن حسا عليلا ، كما قال الأول : أشكو إلى اللّه جهلا قد منيت به * بل ليس جهلا ولكن علم مفتون واعلم أن الغرض كله من هذا الكتاب ، وجميع ما أثبت عن هؤلاء الشيوخ ، إنما هو في إيقاظ النفس ، وتأييد العقل ، وإصلاح السيرة ، واعتياد الحسنة ، ومجانبة السيئة . فاستصحب الغرض بالنية الجميلة فلعلك تؤهل للفلاح والسعادة عند توزيع هذه الجملة المشتبكة ، وانحلال هذه الحبائل المنعقدة 44 مقابسة [ في معنى الامكان وما قيل فيه ] رأيت فضلاء من الفلاسفة ، وهم الذين قد نوهت « 1 » بأسمائهم مرارا يكثرون الخوض في معنى الإمكان ، ويتداولون المسألة والجواب فيه ، وقد اقتبست منهم ما رسمته في هذا الكتاب ، على طريقة قريبة وألفاظ معهودة ، فأشركنى في تقبل الفائدة إن كنت طالب فائدة ، ولا تسبق [ إلى ] الاستحسان والاستقباح ، والتخطئة والتصويب ، قبل التفهم والتصفح ، والتقليب والتنقير ، فإنها مسئلة صعبة
--> ( 1 ) في نسخة : فهت