أبي حيان التوحيدي

204

المقابسات

أنهم خاصة من ناحية الحق ؟ بل ليس الأمر كذلك ؟ لأنهم يعتقدون أشياء ممزوجة مشوبة مختلطة كدرة يحكمون فيها أحلام العقل وسماء دره ومحايله ، يأخذونها من أشباح الأمور وصفحات الأحوال وظواهر الأشياء ، ولذلك ما يزولون عنها بشرعة ، ويستوحشون منها عند كل شبهة ، وليس كذلك الفلسفة ، فإنها علم العلوم ، وصناعة الصناعات ، لا تعطيك في موضح الشك اليقين ، ولا موضح الظن العلم ، وكلها تعطيك في كل شئ ما هو خاصته وحقيقته ، إن شكا فشكا ، وإن يقينا فيقينا وسنصل بهذه المقابسة في الكتاب ما يكون بيانا وشاهدا بصحته ، ولو أن هذه الأوراق اشتملت على نكتة ما فيها فقط ، وكان ذلك لا ينكر أنه كاف في معناه ، موف على أقصاه ، لان بحر هذا العلم عميق ، وقيمته غالية ، ولكنا وصلنا نكتة بنكتة ، ومقابسة بمقابسة ، تذكيرا للعالم ، وتفريجا للنفس ، واستدعاء للنشاط ، ودلالة على مواضع السعة والغزارة ، ولا تصل منها إلا وهو يوفى على كتاب ضخم إذا حويت على كل ما فيه وكل ما يتعلق به ويصرف فيه وشبهه ، فإذا عتبت على أبقاك اللّه في بعض التقصير فقارب وأقصد ، فلم أضمن لك خلوص ما أقوله عن بعض الشوائب ، وإنما عزوت ذلك كله إلى هؤلاء الأعلام الذين كانوا مذكورين في الوقت من غير أن استبددت بشيء عليهم ، إلا بما لا بال به ، ليحسن ظنك ويقل تعبك بها في تهجينهم ، واللّه يعينك بلطفه ، ويواصلك بتوفيقه ، إنه قريب مجيب