أبي حيان التوحيدي
205
المقابسات
42 مقابسة [ في معرفة اللّه تعالى ، أضرورية هي أم استدلالية ؟ ] قيل لأبي الخير « 1 » حدثنا عن معرفة اللّه تقدس وعلا ، ضرورة هي أم استدلال ؟ فان المتكلمين في هذا اختلفوا اختلافا شديدا ، وتنابذوا عليه تنابذا بعيدا ، ونحب أن يحصل لنا جواب فيفسر على حد الاختصار مع البيان ؟ فقال : هي ضرورة من ناحية العقل ، واستدلال من ناحية الحس ، ولما كان كل مطلوب من العلم إما أن يطلب بالعقل في المعقول ، أو بالحس في المحسوس ، قال : وهذا هو الشاهد والغائب . وساغ أن يظن مرة أن معرفة اللّه اكتساب واستدلال ، لان الحس يتصفح ويستقوى بموازرة العقل ومظاهرته وتحصيله ، وأن يظن تارة أخرى أنها ضرورة . إن العقل السليم من الآفة ، البرىء من العاهة ، يحث على الاعتراف بالله تقدس اسمه ، ويحظر على صاحبه بجحده وانكاره والتشكك فيه ، لكن ضرورة لائقة بالعقل ، لأن ضرورة العقل ليست كضرورة الحس ، وذلك أن ضرورة الحس فيها جذب واختيار ، وحمل وإكراه ، فاما ضرورة العقل فهي لطيفة جدا لأنه يعظ ويلاطف وينصح ويحقق وكان بعض أصحابنا في الوارقين ببغداد يضرب في هذا مثلا : زعم أن مثال الحس في هذا كامرأة حسناء متبرجة ، ذات وقاحة وخلاعة ، قد جلست إلى شاب طرير ، له شطر جمالها ، وعليه مسحة من حسنها ، تخدعه بحديثها ، وتراوده عن نفسه لنفسها ، وتبدى له محاسنها ، وتطمعه في تمكينه منها ،
--> ( 1 ) راجع ترجمته فيما سبق من هذا الكتاب ص 160