أبي حيان التوحيدي

203

المقابسات

ما لا يدركه المحدّق ببصره من غيرهم . وذلك أن الحس محطوط عن سماء العقل ، والعقل مرفوع عن أرض الحس ، فمجال الحس في كل ما ظهر بجسمه وعرضه ، ومجال العقل في كل ما بطن بذاته وجوهره . والحس ضيق الفضاء قلق الجوهر ، سيال العين ، مستحيل الصورة ، متبدل الاسم ، متحول النعت . والعقل فسيح الجو ، واسع الأرجاء ، هادئ الجوهر ، قار العين ، واحد الصورة ، ثابت الجسم ، متناسب الحلية ، صحيح الصفة . والفكر من خصائص النفس الناطقة . والنطق في النفس بتصفح العقل بنور ذاته ، والحس رائد النفس بالوقوع على خصائصه . وكما قد صح أن الحس كثير الإحالة والاستحالة ، فكذلك قد وضح أن العقل ثابت على ماله في كل حالة . والحس يفيدك ما يفيد في عرض الآلة التي أصلها المادة ؛ والعقل يفيدك ما يفيد على هيئة محضة ، لأنه نور قيل : لم ! ألسنا نرى عاقلا يتحول من معقول إلى معقول ، وينتقل من رأى إلى رأى ، وينصرف من معتقد إلى معتقد ؟ فهل هذا إلا لان السيلان الذي ادعى في الحس تدرب إليه وعمل فيه ؟ وما هكذا يرى من اعتقد معتقدا بشهادة الحس ! فإنه أثبت رأيا ، وأرسخ يقينا ، وأظهر سكونا ، وعلى هذا : الحس يفيد العلم الذي تسكن معه النفس . والعقل يفيد العلم الذي كأنه مظنون ؟ فقال : هذا كلام من لم يرتض بحكمة القدماء ، ولم يرتق عما عليه العامة والضعفاء ؛ والإحساس حفظك أو من اليه من جهة النفس لا من العقل ولا من جهته ، وليس لها حكم على شئ من أحواله إلا من جهة النطق النفسي ، والذي يوضح هذا أن البهائم كلها ذوات إحساس قوية ، وليس لها قضايا منها ولا نتائج بها ، لأنها خادمة للقوة القاضية بالحق ، الدالة على الصحة ، المفضية إلى المقدمات ، المستخرجة للثمرات ، وإنما وقع لك هذا القول لأنك ظننت أن ما يعتقده كثير من الناس الذين يظنون بأنفسهم