أبي حيان التوحيدي
200
المقابسات
بنفسه ، وكماله بقدرته ، واستغنائه عن مملكته ، بل يتم له شئ ليرتاح له ويشكر مقيضه لينيله بلاغة بانقطاع شئ آخر ليفزع إلى ربه ويلوذ به بمسألته ، ويتبرأ من حوله وقوته ، ومن علمه وبصيرته ، ومن جلده ونجدته ومن أنفته وشيمته ، ويلوذ بمن هو أولى به ، ويستمد ممن هو أملك له ، ويستأمر إلى من هو أقدر عليه ، ويلقى مقاليده كلها إليه ، ويطرح كله « 1 » بين يديه ؛ وهذا بيان في موجب الربوبية ومقتضى العبودية ، لا ينكره إلا من لا يبالي اللّه به في أي واد هلك ، وبأيّ ريح انتثر ، وفي اىّ بحر غرق ، وفي أي غثاء طاح قلت له : هذا كلام على الصالحين وأهل الديانة من أصحاب الشرائع قال : يا بنىّ لا تعجب من هذا ، فالأنبياء والأصفياء ومن دونهم يدندنون حول خلوص النفس في العاجلة ، وخلاصها في الآجلة ، والقول وإن اشتبه والإشارة وإن غمضت ، فالمراد بيّن والمطلوب متيقّن ، وهل الحكمة إلا مولّدة الديانة ؟ وهل الديانة إلا متممة للحكمة ؟ وهل الفلسفة إلا صورة النفس ؟ وهل الديانة إلا سيرة النفس ؟ وكنت قد حدثتني عن شيخكم الحضرمي الصوفي أنه قال : النّقب كثيرة ، والعروس واحدة . فقد ارتفع التناقض وسقط التنافي ! وانما قطعت هذا الأمر في طلب الحياة الدائمة التي لا شوب فيها من ألم ، ولا عارض من أذى ، ولا خوف من انقطاع
--> ( 1 ) في الأصل : كاهله . ولا معنى لذكر الكاهل هاهنا ، وما أثبتناه أولى بالصواب .