أبي حيان التوحيدي

184

المقابسات

فقال : لعمري إن في إيضاحه لصعوبة وعسرا ، وإن كان العقل قد قضى بما قدمته ، وعلى صعوبة ذلك فإني أؤلف على التقريب قولا عسى أن يكون للسامع فيه رضى ومقنع ، إن لم يكن فيه مرآى ومسمع ثم ابتدأ فقال : قد وجدنا في أفعالنا ما يبدر في بعض الزمان من غير قصد مفروض ، ولا مراد متوجه ، ويشتمل مع ذلك على النظم والاتقان والصواب ، والإحكام ، والمواءمة والسلامة ، حتى نتعجب من أنفسنا غاية التعجب ونتهادى الحديث به ، وليس منا أحد إلا وهو يجد هذا لنفسه من فعله ، أعنى البادر والخارج عن قصد متقدم ، وعزم مستحكم ، ورأى مثبت ، ومقدمة مرتبة ، وحتى يظن كثير منا أن ذلك انقلب بلا مؤامرة وانبجس بلا فكرة ، وانبعث بلا روية ، وتم بلا قصد ، وحدث بلا تقدمة وعرض بلا علة ، وكأنه كالشىء الباين بنفسه ، القائم بذاته ، وعند اتفاق الأمر على التئامه وانتظامه ، يكثر شكرنا للّه عز وجل وحمدنا إياه ، فترى أنه كان صنعا منه لنا ، ولطفا منه بنا ، ويدا سبقت بالحسنى إلينا ، ونعمة من اللّه تعالى توالت علينا ، وقد تتصل ببعض أفعالنا وأعمالنا أيضا بالقصد والغريزة والرأي والهمة والروية ، وسائر مقدمات العقل وأوائله ، ودواعيه وتوابعه ، ومع ذلك تزل عن شرح النظام ، وتعدل عن طريق التمام ، وتحيد عن سنن الغاية ، ونزول عن بلوغ الحد والنهاية ؛ فالأول البادر منها منهاج لنا أن نعلم أن الفاعل الأول أحكم فعله ذلك الإحكام بل أجل منه أيضا كثيرا وإنما ضربنا هذا المثل تمثيلا ، وان الذي كان منا في الفينة بعد الفينة ، والفرط بعد الفرط ، هو الذي يكون منه على الديمومة والسرمدية على هيئة أشرف مما يعتاد ويستأنف ، والثاني البادر منه أيضا طريق لنا إلى أن نعلم نقصنا في كمالنا ، وعجزنا في قدرتنا ، لان القدرة تخص ، والرؤية تتقدم ، والغرض ينتصب ، والفعل يمكن ، والتحيل يقع ، ومع ذلك لا يتم الفعل ولا يصح المقصود . وفي البادر الأول يتم دلك كله ، وليس هناك داع قوى ولا ضعيف ، ولا شئ