أبي حيان التوحيدي

185

المقابسات

من موجباته واه ولا حصيف ؛ وبين هذين من البادرين محجة الافعال بالاستطاعة والقدرة والقوة والتمكين والدواعي ، لا يدفعها دافع ، ولا يمتنع من الاعتراف بذلك ممتنع . فقد شهد العقل في مراتب هذه الأفعال بين ما بدر في الطرفين ، وبين ما استمر بينهما ، بأن الفاعل الأول يفعل ما يفعل بغير قصد ولا روية ولا اختيار ولا غرض ، بشهادة ما بدر من الانسان في وقت دون وقت ، ولو تمت أفعال الانسان أبدا بلا قصد ولا رؤية ولا غرض ولا إرادة وصار هذا البادر منه مألوفا ، كانت هذه القوى فيه فضلا أو عبثا ؛ ولو كانت أيضا تتم أبدا بها ومعها وعندها ومن أجلها ، كان مضافا إليها ومحمولا عليها ، غير موقظ في عرضها على أسرارها ، ولا مدعو إلى البحث عنها ، ولا منبه على اعتبارها واستتارها ، فأعار اللّه هذا الانسان هذه القوى إعارة وألبسه هذه الجلابيب إلباسا ، وصرفه فيها تصريفا ، فان يمر بها شئ فلأن المعوّق حاش هذا الانسان إلى الاذعان والطاعة قلت له ، وقد بلغ بهذا الموضع بعد انبهار وجهد : ولم بدر من الانسان ما بدر في الأول ؟ قال : لأن فيه جنية آلهية ، وجزءا ربانيا ، يتسق به ما يتسق ، ومن أجله يتفق ما يتفق قلت : فلم بدر منه البادر الثاني ؟ قال : لأن هيولاه عالية ، وطينته سافلة ، وصورته التي هو بها ما هو ممتزجة ، ولا بد للهيولي من الانفعال الذي هو من شأنها ، كما لا بد للصورة من الفعل الذي هو من شأنها ، وكل متقدم منها فله أثر منها ظاهر إلى أن يغلب سلطان الصورة فيبطل حكم الانفعال ، أو يغلب سلطان الهيولى فيبطل حكم الكمال . والترجح بين هذين هو الذي يسلك إلى الغاية التي يسعد بها وإلى النهاية التي يشقى بها . ونحن نسأل اللّه عصمة تقى ونعمة تزيد وتنمى