أبي حيان التوحيدي

180

المقابسات

كل واحد منهم من قطر ، وهم على خلق مختلفة ، وهو يعظهم وينسبهم في خلال وعظه وكلامه ، وحصلت عنه نكتة شريفة ذهبت منى في اليقظة وساءنى ذلك . هذا وكنت أسرح تفكرى كثيرا في الظفر بها والوقوع عليها ، فلا يعود بطائل ، فلما كان بعد دهر ، وبعد اختلاف أحوال ، ذكرت أنه قال : خذ يا إبراهيم ثمرة الفلسفة من هذه الكلمات الشافية التي هي خير لك من أهلك وولدك ومالك ورتبتك : اعلم أن اليقظة التي هي لنا بالحس هي النوم ، والحلم الذي لنا بالفعل هو اليقظة ، ولغلبة الحس علينا قد اتفقنا أن الامر بخلاف هذا ، وإلا فغلّب العقل مكان الحس يتصدع لك الحق في هذا الحلم ، فإذا وضح هذا فبالواجب أن ينبغي أن ينقص من الحس ، وإن ظننا أن اليقظة من ناحيته ، ويلتبس بالعقل وان ظننا أن الحلم من ناحيته وكان أبو إسحاق يقول : وهذه النكتة مقرّ وشيها ، ولكن بقي أن تفهم منتفعا بها ، وتسمع على وجه التقبل لها ، لا على معنى الاعتراض لها : الفلسفة هي لطائف العقل ، فكل من لطف وصل إليها ، ولطف الانسان في طلبها هو تأتيه عند التفهم ، وصبره عند الطلب ، وشأنه على السيرة التي ندب إليها المشفقون الناصحون ، فإن النفس تزكو عند ذلك ، والصدر ينشرح ، والخاطر يتوالى ، فلا يبقى حينئذ باب إلا انفتح ، ولا مشكل إلا وضح