أبي حيان التوحيدي

179

المقابسات

الحق ، وإن هم هم بالخير ، وإن نوى نوى الجميل ، وإن حث حث على الصلاح وإن زجر زجر عن الفساد ، وإن لحظ لحظ العلو ، وإن غض غض عن السفل فقال له بعض الحاضرين : فكأنه يفارق الطبيعة البشرية ، وينسلخ من العوائق العنصرية ؟ فقال : يفارقها من وجه ولا يفارقها من وجه [ يفارقها ] بأن يميت هواجسها إماتة ، ويسكن سونحها تسكينا ، ويخمد لواهبها إخمادا ، ويقتدر على بلوغ هذه الغاية اقتدارا . ولا يفارقها بأن يبقى إنسانا لا طبيعة له ولا مزاج ولا بشرية ! هذا ما لا يجب ولا يكون وقدر ما أمكن من ذلك قدرا يجاوز كل أمنية ، ويشرف على حال سنية ؛ وهذه هي حال الفلاسفة الكبار ، وحال البررة الأخيار ، وحال من قد خصه بالزلفى ، وأناف به على الذروة العليا واندفع في هذا وما شاكله يقوى بدر وتبر وتمر . وكان كاملا بهذا الفن لا يؤتى فيه من عى ومش ، ولا من نقص ولبس ، وقام جلساؤه عنه في هذه العشية وكأنما قد نهلوا من الخمرة الصرف والشراب العتيق ، وكان كلامه أكثر من هذا ولكن إلى هاهنا بلغ حفظي وتتبعي ، وسيمر عنه ما يشفى القرم ، ولا يورث السأم ، إن شاء اللّه تعالى 26 مقابسة [ في أن اليقظة التي لنا بالحس هي النوم ، والحلم الذي لنا بالفعل هو اليقظة ] سمعت أبا إسحاق الصابى الكاتب « 1 » يقول : رأيت ثابت بن قرّة الحرّانى « 2 » في المنام قاعدا على سرير في وسط دجلتنا هذه ، وحوله ناس كثير ، كأن

--> ( 1 ) راجع ترجمته فيما سبق من هذا الكتاب ص 12 ( 2 ) راجع ترجمته فيما سبق من هذا الكتاب ص 52