أبي حيان التوحيدي

173

المقابسات

فسكت هنيّة ثم قال : لا أدرى . وليس هذا من النحو ، وإنما النحو في هذا أن تعرف أن الظرف ظرفان ، ظرف زمان وظرف مكان ، وتحصى أسماء هذا وتميزها من أسماء هذا ، وتقف على المواضع المخصوصة بهما والاعراب اللازم لهما وبهما فقال أبو سليمان : صدق أبو علي ، فلقد ظلمه الأندلسي ! من أين يعلم ذلك وليس عليه في صناعته أن يبحث عنه ؟ لان مبادئ كل صناعة مأخوذة من ناس آخرين قوامين عالمين ؟ قلت : فلو أفدتنا فيه شيئا ؟ فقال : الظرف الزماني ألطف من ظرف المكان ، والمكانىّ أكثف من ظرف الزمان ، وكأن المكان من قبيل الحس ، والزمان من قبيل النفس ، وكأن الزمان من حد المحيط ، والمكان من حد المركز ، فوجب لهذا أن يكون تصرف الألطف أكثر من تصرف الا كثف ، وبحسب تصرفه تكون أسماء أحواله في تصرفه أكثر ، والزمان منسوب إلى حركات الفلك ، فجوهره شريف . والمكان من جوهر المحيط ، فجوهره محطوط . والفلك أقرب من الأمور العالية ، فكذلك مرسومه الذي هو الزمان قال : ومما يشهد أن الزمان ألطف ، أنك تقول : زمان حاضر ، وزمان ماض ، وزمان مستقبل . هذا بالنظر الأول ، وقد أحس به كل الناس ، وهو يزيد بالمنطق على هذه القسمة زيادة بينة ، ومن أجل تصرف الزمان في الوجوه الكثيرة ، استخرج يحيى بن عدي المنطقي من قول القائل : القائم غير القاعد ، وجوها تزيد على عشرين ألف وجه بآلاف ، ورسالته في ذلك حاضرة ثم قال : ومما يزيد لطافة الزمان وضوحا أن الزمان الواحد يجر إلى أكثر من واحد ، إلى ما لا آخر لهما ، والمكان الواحد متى شغل بالواحد عجز عن الثاني