أبي حيان التوحيدي
174
المقابسات
ثم قال : وأي نظر أشرف من نظر الفيلسوف الذي يرتقى من السّفل فيجول في الوسائط ، ويبلغ إلى العلو ، وربما انحدر من العلو فحرق بمدة الحجب كلها ، مبينا عنها وعن جملتها وتفصيلها ، بمعرفة موزونة من العقل ، وروية مؤيدة بالبصيرة ، وحقائق بالعدل موزونة ، وتصفح بالغ إلى الحد الأقصى ، بلا ظرف ولا ترقب ولا شك ولا مرية ، بل علم ثابت ومعرفة راسخة ، وبيان جلى ، وشاهد قائم ، وبرهان موجود ، وللمشغوف بالحكمة في هذه المواضع مراد ومسرح ، ومرمى ومفتح ، وذلك لأن الإلهية عالية ، وعلائقها متشاكلة متناسبة ، ومواهبها متقاربة متواصلة ، [ ومتى ] كشف الغطاء بالنظر والفحص بان منها ما يبهر كشعاع الشمس وكان نضر اللّه وجهه إذا سلك هذا الوادي سال عرقاه ، ولم يدرك طرفاه ، وكان يخرج من باب إلى باب ، ومن صنف إلى صنف ، استراحة من طول جمامه ، وانسا بمن يفهم عنه بعض مرامه ، وذلك أنه كان مهجورا مطّرحا ، فيطول سكوته ويتضاعف أربه ، فإذا حرك أدنى تحريك انفتح وانفرج وترك التقية الموحشة ، والمداراة الثقيلة ، وكان ربما أنشد بعد هذا الشوط الطويل ، والنفس المديد ، قول الشاعر : لو كنت أقدر أن أقولا * لشفيت من قلبي غليلا لكن لساني صارم * ملئت مضاربه فلو لا 24 مقابسة [ في الطبيعة وكيف هي عند أهل النحو واللغة ] سألني أبو سليمان يوما عن الطبيعة وقال : كيف هي عند أهل النحو واللغة ؟ أهي فعيلة بمعنى فاعلة ، أو بمعنى مفعولة ؟