أبي حيان التوحيدي

167

المقابسات

وقال أيضا - في مثل هذا الموضع ما يجب إيراده وإن طال الفصل وأسام ذكره - إن الحسيات معابر إلى العقليات ، ولا بدلنا - ما دمنا باحثين عن حقائق العقل ولا نقدر أن نخلص إلى عالمه دفعة واحدة - من سبيل نسلكها ، ومثل نستصحبها ، وشواهد نستنبطها ونثق بها ، ولو أمكننا الوصول إلى عرصات القول وبلاده كان التفاتنا إلى الحواس فضلا ، لا لأننا متى أخذنا الأمثلة من الحواس فليس يجب أن نتسبب بها [ كل ] التسبب ، ونطالب بها المعقولات كل المطالب ، بل الذي يحكم به الحق ويقتضيه الحزم ، أن نأخذ الأمثلة من الحس ، فإذا وصلنا إلى العقل حينئذ فارقناها اغتناء عنها مستريحين منها ، ومن حرجها واضطرابها ، ولما كنا بالحس في أصل الطبيعة لم ننفك منه ، ولما كنا بالعقل في أول الجوهر لم نجهل فصله ، فلهذا ما اشتغلنا بالحس ولم نقض به ، ووصلنا إلى العقل ولم نميز عليه وهذا اقتضاه قول عرض في جملة كلامه ، وذلك أنه في كل محسوس ظل من المعقول ، وليس في كل معقول ظل من الحس ، ومتى وجدنا شيئا في الحس فله أثر عند العقل ، به وقع التشبيه ، وإليه كان التشوق ، وبه حدث المقدار ، والانسان متى لم يخلع آثار الحس خلعا ، لم يتحل لبوس العقل تحليا ، وإنما شق الاقرار بمعرفة حال النفس بعد الموت لان الحس لم يساعد في تسليم ذلك بشهادة يسكن إليها ، وإن كان العقل قد استوضح ذلك بالأمثلة المضروبة في إقامة البينة عليها وفي الجملة هذه المسألة عذراء ضيقة ، وعجماء مشكلة ، ولكن العقل الذي هو خليفة اللّه في هذا العالم يجول في هذه المضايق ، ويدفع هذه الموانع والعوائق ، ولولا هذه العناية المرموقة ، والحالة المعشوقة ، بهذه الأوائل المشروحة ، والأبواب المفتوحة ، لكان اليأس يزهق الأرواح ويتلف الأنفس ، ولكان العالم بكل ما فيه من العجائب والآثار والشواهد لشئ لا حقيقة له ، ولا حكمة فيه ، وأنه شبيه بالعبث واللعب ، وليس له محصول ولا