أبي حيان التوحيدي

164

المقابسات

فقال : فكروا ؟ قعدنا له وقلنا : إنا قد ثلجنا ، ولو مننت بالبيان ونشطت لنشر الفائدة كان ذلك محسوبا في بيض أياديك وغرر فضائلك ؟ فقال : إن الطبيعة إنما احتاجت إلى الصناعة في هذا المكان ، لأن الصناعة هاهنا تستملى من النفس والعقل ، وتملى على الطبيعة ؟ وقد صح أن الطبيعة مرتبتها دون مرتبة النفس ، تقبل أثارها وتمتثل أمرها ، وتكمل بكمالها ، وتعمل على استعمالها ، وتكتب باملائها ، وترسم بالقائها ، والموسيقى حاصل للنفس وموجود فيها ، على نوع لطيف وصنف شريف ، فالموسيقار إذا صادف طبيعة قابلة ، ومادة مستجيبه ، وقريحة مواتية ، وآلة منقادة ، أفرغ عليها بتأييد العقل والنفس لبوسا مؤنقا ، وتاليفا معجبا ، وأعطاها صورة معشوقة ، وحلية مرموقه ، وقوته في ذلك تكون بمواصلة النفس الناطقة . فمن هاهنا احتاجت الطبيعة إلى الصناعة ، لأنها وصلت إلى كمالها من ناحية النفس الناطقة بواسطة الصناعة الحادثة التي من شأنها استملاء ما ليس لها وإملاء ما يحصل فيها ، استكمالا بما تأخذ وكمالا لما تعطى فقال له البخاري ، وكان من تلامذته : - ما أشكرنا على هذه الصلات السنية ، وما أحمدنا للّه على ما يهب لنا منك من هذه الفوائد الدائمة ؟ ! فقال : هذا بكم اقتبست ، وبحجركم قدحت ، وإلى ضوء ناركم عشوت وإذا صفى ضمير الصديق للصديق ، أضاء الحق بينهما ، واشتمل الخير عليهما ، وصار كل واحد منهما ردءا لصاحبه ، وعونا على قصده ، وسببا قويا في نيل إرادته ودرك بغيته . ولا عجب من هذا ، فالنفوس تتقادح ، والعقول تتلاقح والألسنة تتفاتح ، وأسرار هذا الانسان الذي هو العالم الصغير في هذا العالم الكبير ، كثيرة جمة ، واسعة منبثة ، وإنما يحتاج الناظر في هذا النمط إلى عنايته بنفسه في طلب سعادته ، ورعايته لحاله في السلوك إلى غايته ، غير عائج على زهرة العين ونضرة الحس ولذة الوقت ، فإنه بهذه المقدمات يصل إلى تلك