أبي حيان التوحيدي

163

المقابسات

19 مقابسة [ في السماع والغناء وأثرهما في النفس ، وحاجة الطبيعة إلى الصناعة ] خرج أبو سليمان يوما ببغداد إلى الصحراء ، بعض أيام الربيع ، قصدا للتفرج والمؤانسة ، وصحبته ، وكان معنا أيضا صبي دون البلوغ جهم الوجه بغيض المحيا شتيم المنظر ، ولكنه كان مع هذه العورة يترنم ترنما نديا عن جرم ترف ، وصوت شج ، ونغمة رخيمة ، وإطراق حلو ، وكان معنا جماعة من طرّاق المحلة ، فلما تنفس الوقت أخذ الصبى في فنه ، وبلغ أقصى ما عنده ، فترنح أصحابنا وتهادوا وطربوا . فقلت لصاحب لي ذكى : أما ترى ما يعمل بنا شجن هذا الصوت ، وندى هذا الحلق ، وطيبة هذا اللحن ، وتفنن هذه النغمة ؟ ! فقال : لو كان لهذا من يخرّجه ويعنى به ، ويأخذه بالطرائق المؤلفة والألحان المختلفة ، لكان يظهر أنه آية ، ويصير فتنة ، فإنه عجيب الطبع ، بديع الفن ، غالب الدين والشرف فقال أبو سليمان ، فلتة : حدثونى بما كنتم فيه عن الطبيعة ، لم احتاجت إلى الصناعة ؟ وقد علمنا أن الصناعة تحكى الطبيعة وتروم اللحاق بها والقرب منها ، على سقوطها دونها ؟ وهذا رأى صحيح وقول مشروح ، وإنما حكتها وتبعت رسمها وقصت أثرها لانحطاط رتبتها عنها ، وقد زعمت أن هذا الحدث لم تكفه الطبيعة ولم تغنه ، وأنها تعنّيه وأنها قد احتاجت إلى الصناعة حتى يكون الكمال مستفادا ومأخوذا من جهتها ، والغاية مبلوغة بمعونتها وإصدارها ؟ فقلنا له : ما ندري ! وإنها لمسألة ؟