أبي حيان التوحيدي
162
المقابسات
فقال : الانسان إنما هو إنسان بالنفس ، والنفس ما هو إنسان ، والانسان له صورة بحسب قبوله من النفس ، والنفس نفس بحسب ملابستها للبدن وتصريفها له وتدبيرها فيه ؟ فإذا قال الانسان : حدثتني نفسي أو حدثت نفسي ، فإنما ذلك لشعوره بشرف نفسه ، بقدر ما استفاد من صورتها الخاصة به واستنارة العقل عليه ، هذا إن كان الحديث مواتيا للحق ، آخذا بقسطه منه ، وإن تكن الأخرى دخل الفساد من ناحية المادة والخلط والمزاج والقابل ، ألا ترى أنك لا تقول : حدثني عقلي بكذا وكذا ، ولا حدثت عقلي بكذا وكذا ؟ لأن أفق العقل أعلى ، وعالمه أرفع ، وأثره ألطف وأنقى ، ونسبه أشرف وأسنى ، والانسان متقوم بالنفس حتى إذا لحظها بعينه التي له منها ساغ له أن يحدثها ويحدث عنها ويحقق بناءها وحالها ! وهي العقل بوجه آخر ، والعقل هي بوجه آخر ، ولكن العبارة عن هذه الخفيات قاصرة ، وإن كانت النفس بها مستنيرة ، فعلى هذا الإنسان يحدث نفسه بما يغلب منها ، وتحدثه نفسه بما يغلب عليها منه ، وهو هي وهي هو ، ولكن بنوع ونوع ، وحال وحال ، واسم واسم ، وملخوص وملخوص ، وتقريب وتقريب وهذه معان اختلست من مذاكرات هؤلاء المشايخ فلم يمكن أن تورد تامة مستقصاة ، لأن الكتب التي توضح هذه الحقائق موجودة ، ومن يشرح مشكلها ويفتح مستغلقها حاضر ، فليكن التعويل في بلوغ غايات هذه المواضع على العلماء والكتب والقرائح