أبي حيان التوحيدي

161

المقابسات

فقال : صدقتم ، واعلموا أنه إذا لحظ استيلاء الطبيعة عليهم ، وغلبة آثارها فيهم ، في الرأي المعتقد ، والسيرة المؤثرة ، فأكثر ذلك باطل ، لأن سلطان العقل في بلاد الطبيعة غريب ، والغريب ذليل ، وإن لحظ حكم العقل وما يجب به ، ويليق بجوهره ، ويحسن مضافا إليه ، فأكثر ذلك حق ، كان الملحوظ رأيا وسيرة وعادة أو خليقة ، وعلى حسب هاتين القبيلتين يكون القضاء ، ويقع الحكم ، والحق لا يصير حقا بكثرة معتقديه ، ولا يستحيل باطلا بقلة منتحليه ، وكذلك الباطل ، ولكن قد يظن بالرأي الذي قد سبق إليه الاتفاق من جلة الناس وأفاضلهم أنه أولى بالتقديم والإيثار ، وأحق بالتعظيم والاختيار ، لأنه يكون مقوما بالبحث ، مجبورا بالفكر ، مصقولا على الزمان ، تلمسه كل يد ، وتجتليه كل عين ، ويصير ثباته على صورته الواحدة ، دليلا قويا وشاهدا زكيا على حقيقته ، لأنه يبرأ حينئذ من هوى [ منتحله ] ويعرى من تعصب ناصره ، ويبقى بصورته الخاصة ، ويجرى مجرى السكينة التي لا تحتاج إلى علاج المعالج ، وتمويه المموه ، وانتقاد المنتقد ، وتنفيق المنفّق ، وحيلة المحتال 18 مقابسة [ في قول الانسان : حدثتني نفسي بكذا وكذا ] سألت أبا زكريا الصيمري عن الانسان يقول : حدثتني نفسي بكذا وكذا ، وحدثت نفسي بكذا وكذا ، هذا ، فانى أجد الانسان ونفسه كجارين متلاصقين يتلاقيان فيتحدثان ؛ ويجتمعان فيتحاضران ، وهذا يدل على بينونة بين الانسان ونفسه ؟