أبي حيان التوحيدي

158

المقابسات

الكمية أقرب إلى الجوهر وأشد توحدا به وأدل على المواصلة والتشبث والوحدة ، وليس كذلك الكيفية بحسب الكثرة ، مخالفا لمقتضى الكيفية بحسب الوحدة ، ألا ترى أن الكيفية تابعة لما ترى ، اى الحس وأسبق عن الطبيعة ؟ ألا ترى أن الكمية تابعة لما ترى ، اى العقل ومتصل بالنفس ؟ 16 مقابسة [ في قولهم : لم صار الانسان إذا صور كلاما يريد تأييده بطبعه جبرا عليه ؟ ] لم صار الانسان إذا زور كلاما لمجلس يحضره ، وخصم يناظره ، وصاحب يعاتبه ، لا يمكنه أداؤه في حال ما يباشر المراد ، وينحى على الغرض ، ويتوخى غاية ما في النفس « 1 » فقال : لأنه في الحال الثانية يصير أسيرا في يد ما قدمه وقومه ، فهو يحتاج في تلك الحال إلى قوة حافظة ، وقوة مؤدية ، وربما خانتاه أو خانته إحداهما ، وليس كذلك إذا ارتجل كلاما ، وافترع معنى ، فإنه يكون مطلق العنان في ضروب التصرف ، وأفانين التزويق ، غير موقوف على شئ متقدم ، ولا متق شيئا متوقعا يخاف فجأته ، على خلاف تقديره في وهمه ووضعه في نفسه ، بخلوص الحال وسلامة البال ، يفضيان به إلى آخر ما في نفسه ، لأن الواسطة الحائلة ساقطة ، والحجب مخروقة ، والأولية مغيبة ، والوحدة مساعدة . لا تسرع أيدك اللّه إلى الطعن والعيب في هذه المواضع التي نزل قليلا ( ؟ ) ولا يبلغ ظنك بها ، فإن الجميع أخذ عن هؤلاء الجلة الأعلام

--> ( 1 ) يظهر أن السؤال في هذه المقابسة موجه إلى وهب بن يعيش المسؤول في المقابسة السابقة