أبي حيان التوحيدي
154
المقابسات
فقال : رقع ما وهي يحتاج إلى تدبير قد فات أوله من جهة صاحبه الأول ، ومن كان أولى به ، وكان كالأب له ، وذلك شبيه بعلم الغيب ، وقل من ينفذ في حجب الغيب مع العوائق التي دونه ، وليس كذلك إذا افترع هو كلاما ، وابتدأ فعلا ، واقتضب حالا ، يستقل حينئذ بنفسه ولا يحتاج فيه إلى شئ كان من غيره ، أو يكون تعلقه بيقظته يعطيه تمام ما قد فتح عليه سده ، وقدح عليه زنده ، ولم يكن هكذا حاله في كلام معروض عليه لم يهجس قط في نفسه ، ولا أعد له شيئا من فكره ، فقد يعجزه ما لم يتأهب له ولم يرض نفسه عليه ؛ وفي الجملة : كل مبتدئ شيئا فقوة البدء فيه تفضى به إلى غاية ذلك الشئ ، وكل متعقب أمرا قد بدأ به غيره فإنه بتعقيبه يفضى إلى حد ما بدأ به في تعقيبه ويصير ذلك مبدأ له ، ثم تنقطع المشاكلة بين المبتدئ وبين المتعقب 13 مقابسة [ في قول القائل : العلة قبل المعلول لا مدخل للزمان فيه ] قال يحيى بن عدي « 1 » : قول القائل : العلة قبل المعلول لا مدخل للزمان فيه ، وكذلك قول النحويين : الاسم قبل الفعل لا يتضمن معنى الزمان ، وكأنه جار في قضايا الدهر ؛ والفرق بين الزمان والدهر بيّن ولعله سيمر في موضع من هذا الكتاب قال له البديهي « 2 » : فقولنا : الأب قبل الابن ، أين هو من الزمان ؟
--> ( 1 ) راجع ترجمته فيما سبق من هذا الكتاب ص 144 ( 2 ) هو أبو الحسن علي بن محمد البديهي . أصله من شهر زور ، ورد بغداد وتلقى علومه بها وتخرج بشيوخها وكان كثير التطواف بالآفاق وقصد حضرة الصاحب بن عياد - - وأقام عنده زمنا . وكان بينه وبين أبى بكر الخوارزمي ما يكون بين أهل الصناعة من التنافس والتحاسد ، وقد وضع الخوارزمي فيه رسالة قال منه بها تراها في رسائله . وكان يقول فيه : كان لا يرجع من البديهة التي انتسب إليها وتلقب بها إلا إلى لفظة الدعوى دون حقيقة المعنى ، وكان الصاحب يقول له : تقول البيت في خمسين عاما * فلم لقبت نفسك يا لبديهى ؟ وزعموا أن البديهي بالرغم من كثرة شعره لم يستملح له إلا بيت واحد من قوله : رب ليل قطعته باجتماع * مع بيض من الاخلاء غر وكأن الكؤس زهر نجوم * والثريا كأنها عقد در مر من كنت أصطفيه وللد * هر صروف تشوب حلوا بمر ( أتمنى على الزمان محالا * أن ترى مقلتاى طلعة حر ) والحق أن في هذا الحكم حيفا وقلة إنصاف ، وإلا فالبديهى من أفاضل الشعراء ومن أكثرهم عيون شعر ، ولكن المعاصرة حرمان .