أبي حيان التوحيدي
150
المقابسات
كان كفعل أحدنا فهو اختياري ، وما خلا هذين فغير معقول ، وما لا يعقل فغير مقبول ؟ قال أبو سليمان : قد قال كبار الأوائل : إنه يفعل بنوع أشرف من الاختيار ، وذلك النوع لا اسم له عندنا ، لأنا إنما نعرف الأسماء التي قد عهدنا أعيانها أو شبها لها ، والناس إذا عدموا شيئا عدموا اسمه ، لأن اسمه فرع عليه وعينه أصل له ، وإذا ارتفع الأصل ارتفع الفرع . هذا ما لا دفاع له ولا امتناع منه . وخواص الخواص معدومة الأسماء ، ونحن نحس بمعانى جمة وفوائد كثيرة ، لا نستطيع صرفها عن أنفسنا ، وقد التبست بها ، وقرت في أفنائها ، ومع ذلك إذا حاولنا أسماءها عجزنا ، بل قد نعتاض من الأسماء الفائتة إشارات بصفات وتشبيهات تقوم لنا من بعد مقام الأسماء الفائتة ، ولكن لها فينا أعمال رديئة ، وإبهامات عندنا فاسدة . ولكن ليس لنا في هذا توجه من الوجود جملة ، فمن جملة ذلك هذا الذي نحن فيه ؟ إنه قد صح البرهان أن فعل اللّه تقدس وعلا ليس باضطرار ، لأن هذا نعت عاجز ، ولا دافع لهذا القول . وليس باختيار أيضا ، لأن في الاختيار معنى قويا من الانفعال ، وهذا مسلم عند من ألف شيئا من الفلسفة وشدا بعض علوم الأوائل . فلم يبق بعد هذا إلا إنه بنحو عال شريف يضيق عنه الاسم مشارا إليه ، والرسم مدلولا به عليه . ولو قال لك رجل : لم خبرت عن اللّه بالتذكير دون التأنيث ؟ لما كان عندك إلا أن تقول : هذا ما أقدر عليه ، وليس عندي لما هو حقه في الخبر عنه اسم يحضر ، وأكثر ما أمكنني أنني لم أنعت به الأنثى ، وهذا لأن التذكير والتأنيث معنيان يوجدان فينا ، وبهما أشبهنا سائر الحيوان ، وهما منفيان عن اللّه تعالى من كل وجه وكل وهم . ثم قال - بعد هذا الذي قدم من القول : والذي أختاره في هذا الجواب مع هذا التضييق الواقع قولنا : يفعل . لا يصح معناه في الباري تعالى البتة ،