أبي حيان التوحيدي

151

المقابسات

بل قولنا : يفعل . عبارة عن انفعال الأشياء له ، لأن الأشياء له ، وأن الأشياء كلها مشتاقة إليه ، متوجهة نحوه ، مستأنسة [ به ] مقتبسة منه ، وذلك اتصالات وجوده ، فدخول الأشياء إلى ذاته ، وشوقها إلى قربه ، وبث الوسائط بينها وبينه « 1 » ثم ضرب مثلا فقال ؛ ألا ترى أن الطبل يضرب عند الرحيل من قبل الملك فترى كل أحد قد تحرك حركة لائقة به ، موقوفة عليه ، نحو الملك من غير أن يكون قد تقدم إلى واحد منهم بما هو إليه ، بل هو على سكوته وحاله السابقة ، فإنما لاح لهم منه لائح فتحركوا مشتاقين متشبهين ؟ ثم قال : وينبغي أن تعلم أنه لا فاعل إلا ويعتريه نوع من أنواع الانفعال في فعله ، كما أنه لا منفعل إلا وهو يعتريه نوع من أنواع الفعل في انفعاله ؟ إلا أن [ الفعل ] في الانفعال خفى جدا ، والفعل في المنفعل خفى جدا . فلهذا لا يطلق على الفاعل إلا الاسم الأشمل له الأدل [ عليه ] وكذلك لا يطلق على المنفعل إلا الاسم الأخص له والأعم لجملته . وهذا وإن كان الاطلاق والاستعمال على حد ما حقق القول ، فإن المفعول لا سبيل إلى إنكاره ، ومن عرف الحقيقة لا طريق إلى جحوده . فقد بان أن قولنا : يفعل ولا يفعل ، وفاعل وغير فاعل ، كلمات مطلقة على حد المجاز والعادة 11 مقابسة [ في ان الطبيعة تعمل في تخالف الناس على المذاهب والمقالات والآراء والنحل ] سمعت أبا إسحاق الصابى الكاتب « 2 » يقول لأبى الخطاب الصابى : اعلم أن المذاهب والمقالات والنحل والآراء وجميع ما اختلف فيه الناس

--> ( 1 ) بياض بالأصول التي بأيدينا ( 2 ) راجع ترجمته فيما سبق من هذا الكتاب ص 12