أبي حيان التوحيدي

15

المقابسات

بما يعلم اللّه أنهم فيه مفترون ، وجاء من بعدهم قوم خدعوا بما قاله فيه أولئك الآفكون من صنائع الصاحب فجاروهم فيما نبذوه به دون فحص ولا بحث ، ولا تحقيق ولا تمحيص . ومن هؤلاء الذين ملأ الصاحب أفواههم بطعامه ، وأيديهم بعطاياه ، وأرسلهم على أبى حيان ينالون منه ومن دينه ، ويمزقون عرضه وأديمه ، ابن فارس « 1 » . فإنه لم يتروع عن أن يكتب في بعض كتبه عن أبي حيان قائلا : كان أبو حيان قليل الدين والورع عن القذف والمجاهرة بالبهتان ، تعرض لأمور جسام من القدح في الشريعة والقول بالتعطيل . ولقد وقف سيدنا الصاحب كافى الكفاة على بعض ما كان يدخله ويخفيه من سوء الاعتقاد ، فطلبه ليقتله فهرب والتجأ إلى أعدائه ونفق عليهم بزخرفة وإفكه ، ثم عثروا منه على قبيح دخلته ، وسوء عقيدته ، وما يبطنه من الالحاد ، ويرومه في الإسلام من الفساد ، وما يلصقه بأعلام الصحابة من القبائح ، ويضيفه إلى السلف الصالح من الفضائح ، فطلبه الوزير المهلبي فاستتر منه ، ومات في الاستتار « 2 » وأراح اللّه منه ، ولم يؤثر عنه إلا مثلبة ، أو محزبة . براءته مما رمى به ولا أدرى كيف يجيز إنسان لنفسه الطعن في دين امرئ أو رميه بأقبح الشنع دون ان يقيم على ذلك حجة قاطعة أو برهانا مبينا . مع أن هذا من أشد ما يعرض له مسلم في دين اللّه ، ومن أكبر الكبائر عند اللّه . وهذه كتب التوحيدي وآثاره ليس فيها ما يشير إلى ضعف في العقيدة ، أو ما يدخل أقل شبهة على استقامة الطريقة ، وطهارة القلب من دغل الزندقة أو الالحاد في الدين . وقد وقع الحافظ الذهبي فيما ائتفكه ابن فارس وغربه فقال

--> ( 1 ) هو أبو الحسين أحمد بن فارس كاتب أديب ولغوى فيلسوف توفى سنة 390 ه . ( 2 ) يظهر أن أبا حيان لما فارق الصاحب غاب في سياحات غيبة انقطعت بها أخباره عنه حتى توهم ابن فارس أنه مات