أبي حيان التوحيدي

145

المقابسات

ولهذا تبقى الصورة عند النفس قنية وملكة ، وتبطل عند الحس بطولا ، وتمحى محوا ، والحس تابع للطبيعة ، والنفس متقبلة للعقل . وكانت الالفاظ على هذا التدريج والتنسيق من أمة الحس ، والمعاني المقولة فيها من أمة العقل . فالاختلاف في الأول بالواجب ، والاتفاق في الثاني بالواجب ، وبالجملة الألفاظ وسائط بين الناطق والسامع ، فكلما اختلفت مراتبها على عادة أهلها كان وشيها أروع وأجهر ، والمعاني جواهر النفس . فكلما ائتلفت حقائقها على شهادة العقل كانت صورتها أنصع وأبهر ، وإذا وفيت البحث حقه فإن اللفظ يجزل تارة ويتوسط تارة ، بحسب الملابسة التي تحصل له من نور النفس وفيض العقل وشهادة الحق وبراعة النظم ؛ وقد يتفق هذا لتعويل الانسان بمزاجه الصحيح وطبيعته الجيدة واختياره المحمود ، وقد يفوته هذا الوجه فيتلافاه بحسن الافتداء بمن سبق بهذه المعاني إليه ، فيكون اقتداؤه حافظا عليه نسبة البيان على شكله المعجب ، وصورته المعشوقة ؛ ومدار البيان على صحة التقسيم وتخير اللفظ وترتيب النظم وتقريب المراد ، ومعرفة الوصل والفصل ، وتوخى الزمان والمكان ، ومجانبة العسف والاستكراه ، وطلب العفو كيف كان 7 مقابسة [ في كتم السر وعلة ظهوره ] قلت لأبى سليمان - وقد جرى كلام في السر وطيه والبوح به - ما السبب في أن السر لا ينكتم البتة ؟ فقال : لأن السر اسم لأمر موجود قد ضرب دونه حجاب ، وأغلق عليه باب ، فعليه [ من ] الكتمان والطي والخفاء والستر مسحة من القدم ،