أبي حيان التوحيدي
131
المقابسات
به ، فيأخذ أصحابه وخاصته في أهبة ذلك وإعداد الآلة ، فإذا تكامل ذلك له أصحر للصيد وتشوف له ، وتطلبه في البيداء ، وصمم على بعض ما يلوح له ، وأمعن قبله ، وركض خلفه جواده ، وشدد في طلبه بداده ، ونهى من معه أن يتبعه حتى إذا وغل في تلك الفجاج الخاوية ، والمدارج المتنائية ، وتباعد من متن الجادة ، وواضح المحجة ، صادف إنسانا فوقف عليه وحاوره وفاوضه ، فوجده حصيفا محصلا ، يتقدفهما ، وينتقد إفهاما ، وقال له : أفيك خير ؟ فقال : نعم ، وهل الخير إلا في وعندي ؟ وإلا معي ؟ ألق إلى ما بدا لك وخلنى وذلك ؟ فقال له : إن الواقف عليك والمكلم لك ، ملك هذا الإقليم ، فلا ترع واهدأ ولا تقلق ؟ فيكفّر له عند سماع هذا ويقول : السعادة قيضتنى لك ، والجد أطلعك على ، فيقول له الملك : إني أريد أن أصطفيك لأرب في نفسي ، وأبلغ بك إن بلغت ذلك لي ، وأريد منك أن تكون عينا على نفسك زكية ، وصاحبا لي نصوحا ، فقم لي بذلك بجهدك ووسعك ، واطو سرى عن مسانح فؤادك فضلا عما خلا ذلك . فإذا بلغ منه غاية الوثيقة والتوكيد ألقى إليه عجرته وبجرته ، ويعثه على السعي والنصح وتحرى الرضى ، ووصاه بما أحب وأحكمه وأزاح علته في جميع ما يتعلق المراد به ، ولا يتم إلا بحضوره . ثم ثنى عنان دابته إلى وجه عسكره وأوليائه ولحق بهم ، وتعلل بقية النهار في قضاء وطره من صيده . ثم عاد إلى سريره في داره ، ومقره في ملكه . وليس عند أحد من رهطه وبطانته وغاشيته وحاشيته وخاصته وعامته ، علم بما قد أسره إلى ذلك الكهل الصحراوى وبما حادثه فيه . والناس على سكناتهم وغفلاتهم حتى أصبحوا ذات يوم عن حادث عظيم ، وأمر جسيم ، وشأن هائل ، وعارض محير . وكل عند ذلك تهول : ما أعجب هذا ؟ من فعل هذا ؟ متى تهيأ هذا ؟ من ارتصد لهذا ؟ من انتصب لهذا ؟ وكيف تم [ هذا ] ؟ هذا صاحب البريد وليس عنده منه أثر ! وهذا صاحب المعونة وهو عن الخبرة به بمعزل ! وهذا الوزير الأكبر