أبي حيان التوحيدي
132
المقابسات
وهو متحير ! وهذا القاضي وهو متفكر ! وهذا حاجبه وهو ذاهل ! وكلهم عن الأمر الذي دهم مشدوه ، وهو منه متعجب ! . . . وقد قضى الملك مأربته ، وأدرك حاجته ، وأصاب طلبته ، وبلغ غايته ، وأنفذ رأيه ، ونال أربه ، كذلك ينظر هذا المنجم إلى زحل والمشترى والمريخ والشمس والزهرة وعطارد والقمر ، وإلى البروج وطبائعها ، والرأس والذنب وتقاطعهما ، والهيلاج والكدخداة ، وإلى جميع ما دانى هذا وقاربه ، وكان له فيه نتيجة وثمرة ، فيحسب ويمزج ، ويرسم ويقلب . عند أشياء كثيرة من سائر الكواكب التي لها حركات بطيئة ، وآثار مطوية ، فينبعث بما أغفله وأهمله وأضرب عنه ولم يتسع له ، ما يملك عليه حسه وعقله وفكره ورويته ، حتى لا يدرى من حيث أتى ، ولا من أين دهى ، وكيف امتزج عليه الأمر ، وانسد دونه الطلب ، وفاته المطلوب ، وعزب عنه الرأي ؟ ! هذا ولا خطأ في الحساب ، ولا تقصير في الحق ، وهذا كي يلاذ بالله عز وجل في الأمور ويعلم أنه مالك الدهور ، ومدبر الخلائق ، وصاحب الدواعي والعوائق ، والعالم على كل نفس ، والخاطر عند كل نفس ؛ وأنه إذا شاء نفع ، وإذا شاء ضر ، وإذا شاء أسقم ، [ وإذا شاء شفى ] وإذا شاء أغنى ، وإذا شاء أفقر ، وإذا شاء أحيا ، وإذا شاء أمات ؛ وأنه كاشف الكربة ، والمؤنس في الغربة ، وأنه المجلى الغمة ، وصارف الأزمة ، ليس فوق يده يد ، وهو الأحد الصمد ، على الأبد والسرمد وكنت سمعت الحرّانى الصوفي يقول قديما بمكة - وكان شام شيئا من الحكمة ، وعرف ذروا من حديث الأوائل - فقال : هذه الأمور وإن كانت منوطة بهذه العلويات ، مربوطة بالفلكيات ، عنها تحدث ، ومن جهتها تنبعث ، فان في عرضها ما لا يستحق أن ينسب إلى شئ منها إلا على وجه التقريب . قال : ومثال ذلك ، ملك له سلطان واسع ، ونعمة جمة ،