أبو علي سينا

21

التعليقات

لا حدّ له ، ويتصوّر بذاته ، لا يحتاج في تصوره إلى شئ ، إذ هو أولىّ التصور ، ويعرف بذاته إذ لا سبب له . ويقع على الفعل المحكم ، والفعل المحكم هو أن يكون قد أعطى الشئ جميع ما يحتاج إليه ضرورة في وجوده وفي حفظ وجوده بحسب الإمكان : إن كان ذلك الإمكان في مادة فبحسب الاستعداد الذي فيها ، وإن لم يكن في مادة فبحسب إمكان الأمر في نفسه كالعقول الفعالة . وبالتفاوت في الإمكانات تختلف درجات الموجودات في الكمالات والنقصانات . فإن كان تفاوت الإمكانات في النوع كان الاختلاف في النوع ، وإن كان ذلك التفاوت في إمكانات الأشخاص فاختلاف الكمال والنقصان يكون في الأشخاص ، فالكمال المطلق يكون حيث الوجوب بلا إمكان والوجود بلا عدم والفعل بلا قوة والحق بلا باطل . ثم كل تال فإنه يكون أنقص من الأول وكل ما سواه فإنه ممكن في ذاته . ثم الاختلاف من التوالي والأشخاص والأنواع يكون بحسب الاستعداد والإمكان ، فكل واحد من العقول الفعالة أشرف مما يليه . وجميع العقول الفعالة أشرف من الأمور المادية ، ثم السماويات من جملة الماديات أشرف من عالم الطبيعة . ويريد بالأشرف هاهنا ما هو أقدم في ذاته ولا يصح وجود تاليه إلا بعد وجود متقدمه . وهذا أعنى الإمكانات هي أسباب الشر . فلهذا لا يخلو أمر من الأمور الممكنة من مخالطة الشر ، إذ الشر هو العدم كما أن الخير هو الوجود . وحيث يكون الإمكان أكثر كان الشر أكثر . وكما أنه يعطى كل شئ ما يحتاج إليه في وجوده وبقائه فكذلك يعطيه ما فوق المحتاج إليه في ذلك : مثلا أن يعطى الإنسان الحكمة والعلم بالهيئة إذ ليس الإنسان محتاجا في بقائه ووجوده إلى علم الهيئة . فما لا بد منه في وجوده هو الكمال الأول ، وذلك الآخر هو الكمال الثاني . فواجب الوجود يعلم كل شئ كما هو بأسبابه ، إذ يعلم كل شئ من ذاته التي هي سبب كل شئ لا من الأشياء التي هي من خارج . فهو بهذا المعنى حكيم وحكمته علمه بذاته ، فهو حكيم في علمه ، محكم في فعله . فهو الحكيم المطلق . وواجب الوجود أيضا هو علة كلّ موجود ، قد أعطى كل موجود كمال وجوده وهو ما يحتاج إليه في وجوده وبقائه ، وزاده أيضا ما لا يحتاج إليه في هذين . وقد دل القرآن على هذا المعنى حيث يقول : « رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى » « 1 » . فالهداية هي الكمال الذي لا يحتاج إليه في وجوده وبقائه ، والخلق هو الكمال الذي يحتاج إليه في وجوده وبقائه .

--> ( 1 ) سورة « طه » آية 50