أبو علي سينا
22
التعليقات
وأيضا حيث يقول : « الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ » « 1 » . فالحكماء يسمون ما يحتاج إليه الشئ في وجوده وبقائه الكمال الأول ، وما لا يحتاج إليه في بقائه هو الكمال الثاني . [ جود الواجب ] وأما الجود فهو إفادة الخير بلا غرض . والإفادة على وجهين : أحدهما معاملة والآخر جود ، فالمعاملة أن يعطى شيئا يأخذ بدله إما عينا وإما ذكرا حسنا وإما فرحا ، وإما دعاء ، وبالجملة ما يكون للمعطى برغبة أو غرض فإنه المعاملة بالحقيقة . وإن كان الجمهور يعرفون المعاملة حيث تكون معاوضة ، ولا يعدّون سواه عوضا ، ولكن العقلاء يعرفون أن كل ما فيه للمعطى رغبة ففيه له فائدة . والجود حيث لا يكون عوض ولا غرض وذلك يكون لمريد وفاعل لا غرض له ، وواجب الوجود فعله وإرادته كذلك . فإذن فعله هو الجود المحض . [ الفرق بين إرادة الواجب وإرادة غيره ] الإرادة فينا لا تكون لذاتنا بل خارجة عنا واردة علينا من خارج . وإذا كان كذلك فجميع ما يكون لنا من إرادة ومشيئة وفعل وإدراك عقلي وحركة تكون بالقوة لا بالفعل ، ويحتاج إلى سبب معين مخصّص يخرج أحد الطرفين إلى الفعل ، ويكون سوق ذلك المعين المخصص بالتقديرات ، فتكون جميع أفعالنا بقدر . نحن إذا أردنا شيئا فإنما تكون لنا تلك الإرادة بعد أن نتصور الشئ الملائم لنا فننفعل عنه أي نلتذ به ، فتنبعث منا إرادة له أو شهوة ، ثم تنبعث منا إرادة أخرى لتحصله فتكون الإرادة واردة علينا من خارج ، ويكون له سبب . وإرادة الباري لا تكون له بسبب لأنه لا ينفعل عن شئ ولا يكون له غرض في شئ بل يكون السبب في إرادته ذاته ، ولا يكون فيه إمكان إرادة أو إمكان مشيئة . [ الفرق بين ادراكات الانسان والمجردات ] الإنسان فطر على أن يستفيد العلم ويدرك الأشياء طبعا من جهة الحواس ثم من جهة الوهم الذي هو نسختها . فأما ما يدركه عقلا فإنه يكون باكتساب لا طبعا . والذي يدركه من جهة الفعل إذا ساعد عليه الوهم فإنه يثق به . فإن عارض فيه لم يكد يخلص له اليقين به وربما يقع له فيه الحيرة والشك لا سيما إذا لم يكن إلفا للعقليات ، وهذه تكون حاله ما دام ممنونا بالوهم . وأما الأوائل التي تحصل له فإنها تكون من الاستقرار وهو تجربة ومن الشهادة . والنفس تعتقد أن كل ما توجبه الشهادة والاستقراء حقّ وقد لا يكون حقا ويكون من الوهميات الكاذبة . والعقول الفعالة لا يكون لها الوهم ، فلا تكون لها الوهميات بتة .
--> ( 1 ) سورة « الشعراء » آية 78 .