أفلوطين
227
أفلوطين عند العرب ( أثولوجيا )
والصور التي فيه ، وعرفوه معرفة صحيحة : إما بعلم مكتسب ، وإما بغريزة علم طبيعي خصّوا به كما خصّ أهل بابل بهذا وغيره . والدليل على حقيقة ذلك أنهم إذا أرادوا أن يصفوا شيئا بيّنوه بحكمة عالية فلم يكونوا يرسمونه في كتاب ولا يصفونه بالنطق بقضايا ومقدّمات ، لكنهم كانوا ينقشونه في حجارة أو في بعض الأصنام ويفهمونه للناس علما . وكذا كانوا في جميع العلوم والصنائع : فيقيمون لكل شئ صنما بصنعة محكمة متقنة ، وكانوا يمثلون لتلك الأصنام أصناما « 1 » أخرى دونها في النقاوة والحسن ليعلموا « 2 » أن هذه الأصنام الخسيسة إنما هي أصنام لتلك الأصنام العقلية الشريفة . فما أحسن ما علموه ، وما أصوب ما فعلوه ! ولو أن إنسانا أطال الفكرة والروية في العلل التي من أجلها فعلوا ذلك ، وكيف نالوا تلك العلل - لعجب منهم ومدحهم وصوّب رأيهم . فإن كانوا أهلا للمدح لأنهم مثلوا الأشياء العقلية وأخبرونا بالعلل التي بها نالوا الأمور العقلية ، ثم مثلوها بالأجرام الغليظة ، وأقاموا الأصنام أعلاما عليها تنطق وتفهم ما هي وأصنام أي شئ هي - فبالحري أن نعجب « 3 » من الحكمة الأولى المبدعة للجواهر كلها بغاية الإتقان من غير رويّة ولا إعمال فكر . ونقول : إنه لا ينبغي أن يتوهم متوهّم على « 4 » الباري سبحانه أن يكون أبدع ما أبدع وخلق ما خلق بروية ، فإن ذلك « 5 » محال وغير ممكن وغير ملائم للجوهر التام الشريف الفاضل . ولا يمكن أن يقال إن اللّه تعالى روّى في الأشياء كيف يبدعها ، ثم أبدعها ، لأن الأشياء التي يروّى فيها لا تخلو أن تكون خارجة عنه أو داخلة فيه . فإن كانت خارجة عنه ، فقد كانت موجودة قبل أن يبدعها ؛ وإن كانت داخلة فيه فإما أن تكون غيره ، وإما أن تكون هو بعينه . فإن كانت هي هو بعينه لم يحتج في خلق الأشياء إلى رويّة ، لأنه هو الأشياء بأنه علّة لها . وإن كانت غيره ، احتاجت إلى مركب غير مبسوط - وهذا محال . وكيف يروّى في الأشياء ثم يبدعها ، وهو الذي أبدع الرويّة ؟ ! وكيف يستعين في
--> ( 1 ) ص : أصنام . ( 2 ) ص : ليعلمون . ( 3 ) ص : تعجب . ( 4 ) ص : على أن الباري . ( 5 ) يناظر ص 162 س 4 وما يليه .