أفلوطين

228

أفلوطين عند العرب ( أثولوجيا )

إبداع ما أبدعه ! وكلّ صانع إذا أراد أن يعمل شيئا مثله أولا في نفسه ، وألقى بصره على بعض الأشياء الخارجة ، ثم يصنعه بالأيدي والآلات . وأما المبدع - تعالى ! - فلا يصحّ عليه ذلك لأنه قبل [ 169 ] كل قبل ، وليس شئ معه ولا سابق عليه . وهو الذي أوجد مثال كل شئ وكلّ شئ . ولا يحتاج في إبداعه إلى الآلات . فكذلك ليس بينه وبين شئ من مبدعاته شئ يستعين به أو يروى فيه ، لكنه أبدع الأشياء بأنه فقط . وأول « 1 » مبدعاته صورة استنارت منه وظهرت قبل الأشياء كلها وكادت تشبه به لشدة قوتها وسطوع نورها وعظيم انبساطها . ثم أبدع سائر الأشياء بتوسّط الآنية والصورة ، أعنى العقل والنفس ، وهي « 2 » قائمة بإرادته في إبداع سائر الأشياء . وهذه الصورة هي العالم الأعلى أعنى العقول والنفوس . ثم صدر من العالم الأعلى العالم الأدنى وما فيه من الأمور الحسية . وكل ما في هذا العالم فهو في ذلك العالم إلا أنه هناك نقىّ محض غير مختلط بشيء غريب وأما هذا العالم فكدر غير نقىّ ، ولذلك يتفرق في صور كثيرة . فالهيولى تصوّرت أولا بصورة كلية ، ثم قبلت صورة الاسطقسات ، ثم قبلت عن تلك الصّور صورا « 3 » أخرى . ولم تزل تقبل صورا بعد صور حتى تنتهى إلى آخر الكون . فلذلك لا يقدر أن يرى الهيولى لأنها قد لبست صورا كثيرة ؛ وهي خفية تحتها لا ينالها شئ من الحواسّ على « 4 » انفرادها لكن مستورة بصورة كثيرة جوهرية وعرضية . وإنما ينالها العقل المرتاض ، إذ له قدرة على أن يتغلغل تحت تلك الصّور وينزعها عنها ويجرّدها منها - حينئذ ينالها مفردة مجردة عن كل لباس ، ثم يتأمّل قمصها واحدا واحدا ويتأمل مرتبة كل قميص منه ، ويتحقق مراتب هذه الصور ، وما هو منها أول ، وما هو ثان وثالث ورابع إلى الأخير منها ؛ ثم

--> ( 1 ) يناظر ص 163 س 8 وما يليه . ( 2 ) أي النفس . ( 3 ) ص : صور . ( 4 ) من هنا حتى آخر الفصل لم يرد في نص « أثولوجيا » - راجع ص 164 س 2 .