أفلوطين

177

أفلوطين عند العرب ( أثولوجيا )

وأما المسألة فهي هذه : أن يقال : كيف ابتدع الواحد البسيط أشياء كثيرة ؟ فنقول : العلة في ذلك أن الشئ المبتدع من شئ لا يكون مثله ولا أفضل منه ، بل يكون دونه ، وليس شئ أفضل من الواحد ، ولا شئ فوق الواحد . فالمبتدع إذا من الواحد دونه ، والدون هو ناقص . إن الواحد هو علة الأشياء ، كثرها ، ووجود الواحد فيها جميعا ، وفي كل واحد منها . وذلك أن العالم فإن كان ، فإنما هو واحد على موضع واحد . وكل واحد من الأشياء ما كان حيا متماسكا فهو واحد . غير أنه وإن كان كل شئ من الأشياء بالتركيب والحياة واحدا ، فليس هو بوحدانيته الأشياء كلها التي فيه . وعلة ذلك أنه ليس هو الواحد الأول . فأما الواحد الأول مبدع الأوائل ، فإنه واحد لا محالة ، وهو الواحد الحق . فينبغي أن تعلم أن العلة الأولى يبدع الأشياء بلا تقسيم ، أي لم يبدعها واحدا « 1 » بعد واحد ، لكنه يبدعها دفعة واحدة كأنها شئ واحد . وعلة ذلك أن العلة الثانية فعل ، والعلة الأولى قدرة ، والفعل لا يقع إلا وقوعا متجزئا أي لم يفعل إلا فعلا متجزئا . وأما القدرة فهي القوة التي تقوى على إبداع الأشياء كلها دفعة واحدة كأنها شئ واحد . لما أراد الفاعل الأول إبداع الأشياء أبدع العقل الذي هو ضياء من ضوئه . ثم أبدع العقل الحسّ ، وهو ضياء من ضوء العقل . ولم يمكن أن يكون عالم حسى إلا أن يكون عالم عقلي . إلا أن شيئا ما أبسط [ بسط ] من العقل ومن العالم العقلي . وليس فوق هذا الشئ شئ آخر ، لأنه أول الأوائل وعلة العلل . فلهذه العلة لم تكن الأوائل كثرة ، ولا أقل مما ذكرنا . وليست الكثرة من الكثير ، لكنها من لا كثير . وذلك أنه إن كان الأول كثيرا لم يكن الأول هو الأول [ 11 ] ، لكنه يكون آخر قبله . فإذا كان هذا هكذا ، قلنا إنه ينبغي أن تتصاعد العلل حتى تأتى إلى واحد هو واحد حقا خارجا من كل كثرة ومن كل بسيط متجزئ ، إذ كان هو بسيط البسيطات وكل الكليات . ونقول : إن العلة الأولى هي حياة الأحياء ، وهي عقل العقول ، وخير الخيرات ، وإن هذه الأشياء هي الآنية لا أنها غير الآنية ؛ فلذلك صارت هذه الآنية كل حياة وكل عقل وليس شيئا خارجا منه : لا حياة ولا عقل . ( 12 - أفلوطين )

--> ( 1 ) ص : واحد .