أفلوطين
160
أفلوطين عند العرب ( أثولوجيا )
ذلك أنهم كانوا إذا أرادوا أن يصفوا شيئا بينوه بحكمة صحيحة عالية ؛ وذلك أنهم لم يكونوا يرسمونه رسما بكتاب موضوع بالعادة التي رأيناها بكتب ، ولا كانوا يستعملون القضايا والأقاويل ، ولا الأصوات والمنطق فيعبّرون به عما في نفوسهم « 1 » - إلى من أرادوا - من الآراء والمعاني ، لكنهم كانوا ينقشونها في حجارة أو في بعض الأجسام فيصيرونها أصناما . وذلك أنهم كانوا إذا أرادوا أن يصفوا بعض العلوم نقشوا له صنما وأقاموا للناس علما . وكذلك كانوا يفعلون في سائر العلوم والصناعات ، أعنى أنهم كانوا ينقشون لكل شئ من الأشياء صنما بحكمة متقنة وصنعة « 2 » فائقة ، ويقيمون تلك الأصنام في هياكلهم فتكون لهم كأنها كتب تنطق وحروف تقرأ . وعلى هذا كانت كتبهم التي قيدوا فيها معانيهم ووصفوا بها الأشياء . وإنما فعلوا ذلك لأنهم أرادوا أن يعلّمونا أن لكل حكمة ولكل شئ من الأشياء صنما عقليا وصورة عقلية لا هيولى لها ولا حامل ، بل أبدعت جميعها دفعة واحدة لا بروية ولا فكر ، لأن مبدعها واحد مبسوط يبدع الأشياء المبسوطة دفعة واحدة بأنّه فقط لا بنوع آخر من أنواع العقل . وكانوا يمثلون « 3 » من تلك المثل أيضا والأصنام أصناما أخر دونها في النقاء والحسن . وإنما فعلوا ذلك لأنهم أرادوا أن يعلمونا أن هذه الأصنام الحسّية الخسيسة « 4 » إنما هي مثل لتلك الأصنام العقلية الشريفة . وما أحسن ما علّمونا « 5 » ، وما أصوب ما فعلوا ! ولو أن أحدا أطال الفكر والروية في العلل التي من أجلها فعلوا ذلك ، وكيف نالوا تلك العلل العجيبة تعجّب منهم ومدحهم « 6 » وصوّب رأيهم « 7 » . فإن كانوا - هؤلاء الرهط - أهلا للمديح لأنهم مثّلوا الأشياء العقلية وأخبرونا بالعلل التي نالوا بها الأشياء العالية ثم مثلوها بأصنام غليظة ، وأقاموا الأصنام أعلاما كأنها كتب تقرأ - فبالحري أن نعجب من الحكمة الأولى المبدعة الجواهر بغاية « 8 » الاتقان
--> ( 1 ) ب : أنفسهم . ( 2 ) ط : وحكمة ثابتة - ح : وحكمة فائقة - وما أثبتنا في ص . ( 3 ) ب : يمثلون ذلك . ( 4 ) الخسيسة : ناقصة في ب . ( 5 ) ح ، ط ، ب : أن يعلمون - وما أثبتنا في ص . ( 6 ) ح ، ط : منهم وصواب آرائهم . - وما أثبتنا في ص . ( 7 ) ب : وصواب آرائهم . ( 8 ) ح ، ط : في غاية . - ب : للجواهر .