أفلوطين
131
أفلوطين عند العرب ( أثولوجيا )
وعليه اشتياقنا [ 49 ا ] وإليه نميل ونرجع « 1 » ؛ وإن نأينا عنه وبعدنا فإنما مصيرنا إليه ومرجعنا كمصير خطوط الدائرة إلى المركز وإن بعدت ونأت . فإن قال قائل : فما بالنا إذا كنا في تلك الآنيّة الأولى المبدعة الأشياء كلها وفينا من تلقاء النفس فضائل كثيرة - لا نحس بالعلة الأولى ، ولا بالعقل ولا بالنفس ولا بالفضائل الكريمة الشريفة ولا نستعملها ، لكنا « 2 » نجهلها جلّ دهرنا ، ومن الناس من يجهلها وينكرها دهره كله « 3 » ، وإذا سمع أحد يتكلم « 4 » بها ظن أنها خرافات لا حقائق لها ، ولا يستعمل دهره كله شيئا من الفضائل الشريفة الكريمة - قلنا إنما جهلنا هذه الأشياء لأنا صرنا حسيين وأنّا لا نعرف غير الحسيات ولا نريد إلا إياها . فإذا طلبنا إفادة علم فإنما نريد أن نستفيده من الحس ، وذلك أنّا نقول إنّا رأينا الأشياء هكذا ولا نريد مفارقة الرؤية ومنها نريد استفادة ما نرى وما لا نرى ، ونظن الأشياء كلها ترى وليس منها شئ إلا وهو واقع تحت البصر . فهذا وشبهه صيّرنا إلى أن نجهل النفس والعقل والعلة الأولى . وإن ألفي « 5 » امرء منا يظن أنه نال معرفتها فإنما يضيفها إلى الحس وإلى الأجسام فيجسم النفس والعقل والعلة الأولى : فالجسم إنما هو معلول معلول المعلول ، والفضائل موجودة في النفس والنفس موجودة في العقل ، والعقل موجود في الآنية الأولى بنوع علته ، وليست النفس جسما بل علة الجسم ، ولا العقل أيضا ، جسم ، ولا الآنية الأولى جسم . وقد أقر بذلك أفاضل الأولين ، واحتجوا فيه بحجج مرضية مقنعة . والدليل على ذلك أن النفس ليست تحس فضائلها ، وأنها ليست بأجسام ، ولا هي واقعة تحت الحس . وكيف تكون أجساما ، ونحن لا نقوى على أن نحسها ، إذا كنا مائلين إلى الحس ؟ ! والدليل على ذلك أنا إذا كنا مائلين إلى الحس لم نقو على أن نحس بالنفس ولا بفضائلها بعينها ، وذلك أنّا ربما فكّرنا في شئ فحضرنا بعض الأصدقاء فلا نراه لأنا قد ملنا إلى النفس بأسرنا ونسينا الحس ، فكذلك إذا نحسّ ملنا إلى الحس بأسرنا « 6 » ولم نحس بالنفس ولا بفضائلها ،
--> ( 1 ) ط : وإليه نرجع . ( 2 ) ط : لكنا . ( 3 ) ط : كلها وإنما سمع . . ( 4 ) ح : تكلم . ( 5 ) ط ، ح : القى ( بالقاف ) . ( 6 ) ط : فإنا ملنا إلى الحس بأسرنا لم نحس . . .