ابن رشد

96

تهافت التهافت

قلت : طريان العدم على هذه الصفة صحيح ، وهو الذي تضعه الفلاسفة لأنه صادر عن الفاعل بالقصد الثاني وبالعرض ، وليس يلزم من كونه صادرا أو معقولا أن يكون بالذات وأولا ، والفرق بين الفلاسفة وبين من ينكر وقوع العدم أن الفلاسفة ليس ينكرون وقوع العدم أصلا ، وإنما ينكرون وقوعه أولا وبالذات عن الفاعل ، فإن الفاعل لا يتعلق فعله بالعدم ضرورة أولا وبالذات وإنما وقوع العدم عندهم تابعا لفعل الفاعل في الوجود ، وهو الذي يلزم من قال : إن العالم ينعدم إلى لا موجود أصلا . قال أبو حامد : فإن قيل : هذا إنما يلزم على مذهب من يجوز عدم الشيء بعد وجوده فيقال له ما الذي طرأ ؟ وعندنا لا ينعدم الشيء الموجود وإنما نعني بانعدام الأعراض طريان أضدادها التي هي موجودات لا طريان العدم المجرد الذي ليس بشيء فإن ما ليس بشيء كيف يوصف بالطريان فإذا ابيضّ الشعر فالطاري هو البياض فقط وهو موجود ولا يقال الطاري عدم السواد . قلت : هذا جواب عن الفلاسفة فاسد ، لأن الفلاسفة لا ينكرون أن العدم طار وواقع عن الفاعل لكن لا بالقصد الأول كما يلزم من يضع أن الشيء ينتقل إلى العدم المحض ، بل العدم عندهم طار عند ذهاب صورة المعدوم ، وحدوث الصورة التي هي ضد ، ولذلك كانت معاندة أبي حامد لهذا القول معاندة صحيحة . قال أبو حامد : وهذا فاسد من وجهين : أحدهما : أن طريان البياض هل يتضمن عدم السواد أم لا فإن قالوا لا فقد كابروا المعقول وإن قالوا نعم فالمتضمن عين المتضمن أم غيره فإن قالوا هو عينه كان متناقضا إذ الشيء لا يتضمن نفسه وإن قالوا غيره فذلك الغير معقول أم لا فإن قالوا لا قلنا فيم عرفتم أنه متضمن والحكم عليه بكونه متضمنا اعتراف بكونه معقولا وإن قالوا نعم فذلك المتضمن المعقول وهو عدم السواد قديم أو حادث فإن قالوا قديم فهو محال وإن قالوا حادث فالموصوف بالحدوث كيف لا يكون معقولا وإن قالوا لا قديم ولا حادث فهو محال لأنه قبل طريان البياض لو قيل السواد معدوم لكان كذبا وبعده إذا قيل أنه معدوم كان صادق فهو طار لا محالة فهذا الطاري معقول فيجب أن ينسب إلى قادر . قلت : هو طار معقول ، وينسب إلى قادر ، لكن بالعرض لا بالذات ، لأنه لا يتعلق فعل الفاعل بالعدم المطلق ولا بعدم شيء ما ، لأنه ليس يقدر القادر أن يصير الموجود معدوما أو لا وبذاته ، أي يقلب عين الوجود إلى عين